قابلهم عَلَى ذلك بالتبشبر بثلاثة الرحمة والرضوان والجنة وبدأ بالرحمة في مقابلة الإيمان
لتوقفها عليه، ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن الإيمان هُوَ السابق وثنى بالرضوان الذي هُوَ
نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والمال، ثم ثلاث بالجنان في مقابلة
الهجرة وترك الأوطان إشَارَة إلَى أنهم لما آثروا تركها بدلهم بدار الكفر الجنان والدار التي
هي في جواره انتهى. ولم ينقل عنه بيان أن الرحمة ما هي، والْمُرَاد منها، وقوله ولأنها أعم
النعم وأسبقها فيه نوع منافرة وقد فصلنا آنفًا ما هي وما الْمُرَاد منها(وقرأ حمزة يَبْشُرُهُمْ
بالتخفيف، وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف).
[قوله: (وتنكير المبشر به) ] أُريد الجنس فلذا جعل مفردًا مع أنه
ثلاثة قوله وراء التعريف أي خلفه فهو مضاف إلَى الْفَاعل. وحاصله لا يمكن التعريف
والتعيين للمخلوق وفيه بيان فخامته، وأناقته .
[قَوْلُه تَعَالَى: (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22) ]
قوله: (لأنه قد يستعمل للمكث الطويل) أي حَقيقَة فإن الخلود موضوع للثبات
المديد دام أو لم يدم فهو مشترك من معنى بين ما فيه دوام وبين ما لا دوام كما أوضحه
الْمُصَنّف في أوائل سورة البقرة (يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو [نعيم] الدنيا) قوله
يستحقر دونه أي عنده بيان عظيم الأجر وإن عظمه بالنسبة إلَى عملهم الذي استوجبوا أي
استحقوا ذلك الأجر لأجله بناء عَلَى الوعد. قوله: أو [نعيم] الدُّنْيَا أي عظيم الأجر بالنسبة إلَى
نعم الدُّنْيَا. مرضه حيث أخَّره لأن التعبير بالأجر يلائم الأول .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا
الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
قوله: (نزلت في المهاجرين) إشَارَة إلَى وجه ارتباطها إلَى ما قبلها وفي التَّفْسير الكبير
إن هذه السُّورَة نزلت بعد فتح مكة فَكَيْفَ يمكن حمل هذه الآية عَلَى ما ذكر؟ ويمكن
الْجَوَاب [بأن كون] هذه السُّورَة نزلت هي بعد فتح مكة لا يقتضي كل واحدة من آياتها مُنَزَّلَة
بعد فتحها، كما أن السُّورَة كونها مكية لا يقتضي كون كل واحدة من آياتها مكية .
قوله: (فإنهم لما أُمرُوا بالهجرة) كذا أخرجه الثعلبي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما -
أنه كان قبل فتح مكة لا يتم الإيمان إلا بالهجرة ومصادمة الأقارب الكفرة وقطع موالاتهم فشق
عليهم ذلك فلما نزلت هذه الآية هاجروا وجعل الرجل يأتيه أبوه أو أخوه أو ابنه ولا يلتفت إليه
ثم رخص لهم بعد ذلك (قَالُوا إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجاراتنا وبقينا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أكد الخلود بالتأييد يعني يستفاد معنى التأييد من أصل معنى الخلود فإنه دوام لا آخر
له، والأبد ما لا آخر فتقييده به بناء عَلَى الْمُرَاد بالخلود مطلق المكث الطويل سواء كان آخر أو لا
[فصحَّ] تَقْييده بالأبد ليفيد أن ذلك المكث بحَيْثُ لا ينقطع أمده .