قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرجُونَ فَريقًا منْكُمْ منْ ديارهمْ
تَظاهَرُونَ عَلَيْهمْ بالْإثْم وَالْعُدْوان وَإنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْراجُهُمْ
أَفَتُؤْمنُونَ ببَعْض الْكتاب وَتَكْفُرُونَ ببَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ منْكُمْ إلَّا خزْيٌ في
الْحَياة الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقيامَة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ الْعَذاب وَمَا اللَّهُ بغافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)
قوله: (استبعاد) اتفق المفسرون عَلَى أن هذا الخطاب مختص بالأخلاف الحاضرين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: استبعاد لما ارتكبوه. يعني أن ثم هَاهُنَا ليس للتراخي في الزمان كما هُوَ أصل معناه وإن
كان الواقع ذلك في نفس الأمر بل هُوَ للتراخي في الرتبة واستبعاد ما اكتسبوه بعد أخذ الميثاق
والْمَعْنَى ثم أنتم أيها الحاضرون يستبعد منكم بعد أخذ الميثاق عليكم عَلَى أن لا تسفكوا دماءكم
ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم وإقراركم به وشهادتكم عليه أن تنقضوا ميثاقكم وتسفكوا دماءكم
وتخرجوا أنفسكم من دياركم ولكن غير النظم تفاديًا عن التكرار والتطويل في اللَّفْظ إلَى قَوْله(ثم
أنتم هَؤُلَاء)أي أنتم هَؤُلَاء المنافقون تنزيلًا للتغير في الصّفَة منزلة التغير في الذات فإنهم كانوا
متصفين بصفة الإقرار ثم اتصفوا بنقيضه والذات بصفة غير الذات بغير تلك الصفة فكأن الْمَعْنَى ثم
أنتم قوم آخرون غير أُولَئكَ، كما تقول رجعت بغير الوجه الذي خرجت به يعني ما أنت بالذي كنت
من قبل، وكأنك ذُهب بك وجيء بغيرك. يقال ذلك إذا رجع رجل إلَى البلد أو إلَى الدار بوصف آخر
غير الوصف الذي خرج منه، وفي تصريح بتغاير الوجه وهو كناية عن تغاير الذات وما ذاك التغاير لا
بحسب الوصف، وفي الْحَديث:"دخل بوجه غادر وخرج بوجه كافر". فسقط بما ذكرنا ما قيل إن
الدلالة عَلَى التغاير إنما جاءت من قبيل البيان بقوله: (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) إشَارَة إلَى
نقض لا تسفكون دماءكم، وبقوله تخرجون إلَى نقض لا تخرجون؛ لأن معنى التغاير قد استفيد من
استبعاد اتصالهم بما ينافي ما التزموه بأخذ الميثاق مع إيقاع لفظ هَؤُلَاء خبرًا عن أنتم الدال عَلَى
الذات مع الوصف لكن معناه ثم أنتم هَؤُلَاء الرجال الَّذينَ ينقضون ميثاقهم، ولفظ هَؤُلَاء لا يَخْتَصُّ
بإفادة ذلك بل كل لفظ مظهر مَوْصُوف لما ينافي ما وصف به المحكوم عليهم بذلك المظهر فقيد
تلك النُّكْتَة كما إذا قيل: ثم أنتم رجال تسفكون وثم أنتم الَّذينَ تسفكون. وقيل لا يلزم في إفادة ذلك
تنافي الصفتين فإن الرجل الْمَوْصُوف بصفات إذا غاب واكتسب صفات أخر يقول له ما أنت ذلك
الرجل وإن لم تكن المكتسبة منافية للقديمة قيل ومن فوائد هذا التركيب أنه يشير إلَى جماعة
المخاطبين ويبصر غيرهم أحوالهم ومنها أنه صور الصفات المبينة بصور ذوات مَوْصُوفة بصفات
وأَشَارَ إلَى المخاطبين بأنهم هم، ثم إن هذا الطريق هل هُوَ مختص بما إذا كانت الصّفَة الثانية منافية
للصفة الأولى وأعم فتناول قَوْلُه تَعَالَى (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاء جَادَلْتُمْ) و (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ) ذكر بعضهم
أن الأظهر جريانه فيها؛ لأن الجمل تدل عَلَى التغاير والالْتفَات والاسْتئْنَاف بالصّفَة يدل عَلَى أن
المقصود هُوَ الوصف، ثم قال وجاز أن يقال إن الموجب هَاهُنَا منافاة الصفتين والبواقي عَلَى
أسلوب أنت حاتم تجود بمالك عَلَى ما قرره العلامة الزَّمَخْشَريّ في نظيره في سورة النساء وقال
الطيبي: ثم للاستبعاد يعني أيها الحاضرون أنتم بعد أخذ الميثاق عليكم وإقراركم به وشهادتكم عليه
هَؤُلَاء الناقضون وكان من حق الظَّاهر ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد ف،(تَقْتُلُونَ
أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرجُونَ فَريقًا منْكُمْ منْ ديَارهمْ)أي صفتكم الآن غير الصّفَة التي كنتم عليها فأدخل
هَؤُلَاء وأوقع خبرًا لـ (أنتم) وجعل قوله (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) جملة مبنية مستقلة لتفيد أن