إذ هُوَ مقتضى ما روي من أن قريظة كانوا خلفاء الخ. وأما الخطابات الأول فهي تحتمل أن
تكون للأسلاف عَلَى سبيل الالْتفَات أو متناولة لها وللحاضرين عَلَى طريق التَغْليب، وهذا
مختار الْمُصَنّف، وإنَّمَا صح استبعاد من الحاضرين مع أن الميثاق وأخويه من أسلافهم
لكونهم عَلَى سيرتهم وراضين بما صدر من آبائهم، ومن هذا صح إسناد الإقرار إليهم مَجَازًا
كما مَرَّ تَوضيحُهُ، والاستبعاد مستفاد من كلمة (ثُمَّ) عَلَى طريق الاسْتعَارَة التبعية. قال الشيخ
الرضي: قد يجيء ثم في الْجُمْلَة [لاستبعاد] مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم
مناسبته له كما في قَوْله تَعَالَى: (ثم الَّذينَ كَفَرُوا بربهم يعدلون) وهذا
الْمَعْنَى فرع التراخي ومجاز (لما ارتكبوه) أي الأخلاف وإسناد الارْتكَاب إليهم حَقيقَة(بعد
الميثاق)أي ميثاق آبائهم كما هُوَ الْمُخْتَار أو ميثاق أسلافهم وأخلافهم (والإقرار به) أي
الاعتراف به أو الإبقاء عَلَى حاله (والشَّهَادَة عليه) أي عَلَى الإقرار وتعديته بـ على لأنها تكون
عليهم إذا لم يكن عاملًا بمقتضاها .
قوله: (وأنتم مبتدأ وهَؤُلَاء خبره عَلَى معنى أنتم) أيها الموجودون (بعد ذلك) أي بعد
الميثاق والإقرار به وهذا معنى ثم ويفهم منه أن حمل ثم عَلَى التراخي الزماني وهو معنى
حقيقي له صحيح هنا لكن المقصود توبيخهم؛ فلذا حمل ثم هنا عَلَى الاستبعاد لا لعدم
إمكان الْمَعْنَى الحقيقي قوله (هَؤُلَاء الناقضون) أي الناقضون ميثاقهم والمبطلون سواء كان
الميثاق صادرًا منهم حَقيقَة أو مَجَازًا، وأراد به التَّنْبيه عَلَى مغايرة ما هُوَ الْمُرَاد من هَؤُلَاء
لأنتم أولًا ثم صرح به ثانيًا بقوله نزل تغير الصّفَة الخ. قوله(كقولك أنت ذاك الرجل
الذي فعل كذا)توضيح له لكن لا حسن له؛ لأنه كلام غير منقول عن الفصحاء وأن صحته
بناء عَلَى التنزيل الْمَذْكُور. والْمَعْنَى (نزل تغير الصّفَة منزلة تغير الذات) وهي نقضهم الميثاق
وإبطاله بعد التزام العهد. وقوله فهم من حيث اتصافهم بقبول الميثاق ذوات ومن حيث
اتصافهم ينقض العهد ذوات أُخر في الذهن في مع أنهم متحدون في الخارج فتحقق شرط
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
الذي تغير هُوَ الذات نفسها نعيا عليهم بشدة وكادة أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه وقلة المبالاة به .
قوله: عَلَى معنى أنتم هَؤُلَاء الناقضون إشارة إلَى أن المقصود بالذات من إيقاع اسم الإشَارَة
خبرًا لأنتم الْإخْبَار عنهم بصفتهم ؛ إذ لولا اعتبار معنى الوصف لكان الْمَعْنَى ثم أنتم أنتم، وهذا كما
ترى لا يفيد، ولما كانت الإشَارَة بهَؤُلَاء إلَى الوصف المبهم وإن رفع بعض الإبهام كلمة الاستبعاد
ولفظ هَؤُلَاء الموضوع للإشَارَة إلَى البعيد المفاد به هنا البعد الرتبي بين ذلك المبهم بقوله سبحانه
(تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرجُونَ فَريقًا منْكُمْ منْ ديَارهمْ) بإيقاعه حالًا من المشار إليهم
بلفظ هَؤُلَاء. الْمَعْنَى ثم أنتم هَؤُلَاء المشار إليهم قاتلين أنفسكم ومخرجين فريقًا منكم من ديارهم.
والحال لا تنفك عن معنى البيان، وأما باسْتئْنَافه عَلَى طريق البيان كأنهم لما قيل ثم أنتم هَؤُلَاء قَالُوا
كَيْفَ حالنا فأجيبوا بقوله: (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) الآية.