قَوْلُه تَعَالَى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ(20)
قوله: (وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد) وتعرف أي تكلف في معرفة الموجود
منها. وحاصله أراد معرفته، والتفقد تفعل من الفقد ويستعمل لازمًا بمعنى عدم ومتعديًا بمعنى
الإعدام ومعناه من التفعل مغاير لمعناه من الثلاثي وإن كان مناسبًا في الْجُمْلَة قوله:(فلم
يجد فيها)الخ. هذا بقرينة (فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) لأنه مستلزم لعدم
الوجدان ولو قال فلم ير الهدهد لكان أشد مناسبة فالفاء في فقال فصيحة كما قرره
والاسْتفْهَام للتعجب .
قوله: (لا أَرَى الْهُدْهُدَ) جملة حالية .
قوله:(أم منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال: ما لي لا
أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب)ظن أنه حاضر الخ. لأن الغيبة بلا إذن بعيد، وبهذا يظهر
الملازمة وإلا فعدم الرؤية سبب لظن أحد الأمرين حضوره مع عدم الرؤية بسَبَب غيبته قوله
لسائر أو غيره مثل كونه في مكان في ذلك المجلس. قوله ثم احتاط ؛ إذ الاحتياط بعد ذلك
يتراخى ولو قليلًا .
قوله: (فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له) أي
بل أهو غائب لم يذكره لإفادته بقوله فأضرب وهذا حاصل الْمَعْنَى ؛ إذ النظم الجليل(أم كان
من الغائبين)وصيغة العقلاء لأنه فعل فعل العقلاء حيث أخبر أحوال بلقيس ولا يبعد أن
يخلق فيه العقل والنطق كما [مر] . وبناء عَلَى التَغْليب. قوله كأنه يسأل الخ. وإنَّمَا قال كأنه لأن
السؤال ليس بمقصود بل الظَّاهر أن الاسْتفْهَام للتقرير أو للإنكار الواقعي ولذا قال لأعذبنه
لما علم أنه غائب بلا إذن فلو كان للسؤال لم يظهر الخلف عَلَى ذلك .
قَوْلُه تَعَالَى: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(21)
قوله: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا) كنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتعرف الطير. أي تكلف أن يعرفها حتى يعلم أيهن حاضر عنه وأيهن غائب .
ما غاب عن حضوره فلم يجد بعد تفقده الهدهد. التففد من الفقد وهو عدم الشيء بعد
وجوده فهو أخص من العدم فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد قال الله تَعَالَى: (مَاذَا تَفْقِدُونَ(71)
قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ). والتفقد التعهد لكن حَقيقَة الفقد تعرف فقدان
الشيء والتعهد تعرف العهد المتقدم وفيه (وتفقد الطير) .
قوله: أهو غائب هُوَ. معنى أم المنقطعة فإنها تكون بمعنى بل والهمزة، فالْمَعْنَى بل أكان من
الغائبين فإنه عَلَيْهِ السَّلَامُ حين تفقد الطير ولم ير الهدهد كان علمه بحضور الهدهد وغيبته عَلَى
السواء لا يترجح أحدهما عَلَى الآخر فسأل شيء عرض له فمنعه عن رؤيته ثم لما تأمل وترجح
عنده العلم بغيبته أضرب عن السؤال الأول وجعله في حكم المسكوت عنه فشرع في السؤال الآخر
وهو السؤال عن صحته ما لاح وترجح عنده ونحوه قولهم: إنها لا بل أم هي شاة .