إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله لما كان قَوْلُه تَعَالَى: (إن يوم الفصل) الآية.
مجملًا فيه شرع في بيان تفصيل أحكام الفصل، وقدم أحوال الْكُفَّار لأن الإنذار أهم
ولأن ما مَرَّ من الْكَلَام مسوق لإثبات البعث ورد منكريه وقراءة إنَّ بالكسر عَلَى
الاسْتئْنَاف مسوق لبيان أحوالهم.
قَوْلُه تَعَالَى: (لِلطَّاغِينَ مَآبًا(22)
قوله: (مرجعًا ومأوى) مرجعًا معنى مآبًا؛ إذ الأوب هُوَ الرجوع. قوله: ومأوى بيان ما
هو الْمُرَاد؛ إذ المرجع يقتضي العود إليه بعد ما انتفل منه وهذا ليس كَذَلكَ، فالْمُرَاد كونها
مكانًا لهم كناية أو مَجَازًا (وللطاغين) خبر آخر لـ كانت أو صفة للمرصاد أو
لـ مآبا قدم فانتصب حالًا أو يتعلق بـ [مِرْصَادًا] أو مآبًا فالاحتمالات خمسة والراجح والأول
ثم الثاني وهذا يؤيد كون مِرْصَادًا عامًا للخزنتين أي إن جهنم مرصاد للفريقين ومأوى
للطاغيت أي للكافرين خاصة ولا إشَارَة في كلام الْمُصَنّف إلَى شيء من الْوُجُوه الخمسة.
وقيل والظَّاهر من صنيع الْمُصَنّف ترجيح الثالث والخامس حيث فصل (له) عن قوله[ (مِرْصَادًا)
ولا]يخفى بُعده. ومآبًا عَلَى الْوُجُوه كلها بدل من (مِرْصَادًا) بدل الكل لكن المبدل منه مقصود
أَيْضًا، ولا يخفى عليك أن (مِرْصَادًا) لا يكون مرصادًا لخزنة الجنة عَلَى بَعْضِ الْوُجُوه الخمسة
الْمَذْكُورة يعرف بالتأمل.
قَوْلُه تَعَالَى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(23)
قوله: (وقرأ حمزة وروح «لبثين» وهو أبلغ) لكونها صيغة مُبَالَغَة كحذر وحاذر. قولهم
زيادة الحرف تدل عَلَى زيادة الْمَعْنَى مُسْتَثْنَى منه صيغة المُبَالَغَة (لَابِثِينَ) حال
مقدرة بيان لخلودهم في قوة خالدين فيها أبدًا.
قوله: (أَحْقابًا دهورًا متتابعة) أعقابًا ظرف لـ (لَابِثِينَ) أشار إليه بقوله دهورًا متابعة أشار
بها إلَى أن التتابع معتبر في الأحقاب بحَيْثُ لا يكاد يستعمل إلا حيث يراد تتابع الأزمنة
وتواليها لكن لا يقتضي عدم التناهي كما لا يقتضي التناهي.
قوله:(وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو
سبعون ألف سنة، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقابًا
مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر)وليس فيه الخ. جواب سؤال مقدر كونه؛ إذ لو صح الخ.
أي لا [يتم] صحة ذلك لأن ذلك ليس بمنقول [عن] الثقات بل هُوَ قول البعض. وفي الكَشَّاف:
وقيل الحقب ثمانون، ولو سلم ذلك فليس فيه الخ. قوله لجواز أن يكون الْمُرَاد أحقابًا مترادفة
أي متتابعة الخ. ولا يخفى عليك أن مثل هذا الجواز لا يفيد في المطالب اليقينية فإنه كما
يجوز ذلك يجوز خلافه فيفهم الخروج، إلا أن يقال: إن هذا الجواز مؤيد بالنصوص القاطعة
الدَّالَّة عَلَى الخلود وعدم الخروج؛ إذ الْقُرْآن يفسر بعضه بعضًا فيكون في مرتبة اليقين فلا
احتمال لخلافه، لكن الْمُصَنّف وغيره لم يتصدوا لهذا البيان مع أنه به يتم البرهان.