لا يجامع الكفر بل يجامع المعصية. وهذا بناء عَلَى أن مقتضى الخلط بقاء الأصل حَقيقَة
وأنت تعلم جوابه عَلَى أن الإيمان لا بقاء له مع الكبيرة عندهم وإن أرادوا الصغيرة فهي
مكفرة عن مجتنب الكبيرة عندهم أَيْضًا، والْحَديث الذي نقله ما رواه البخاري ومسلم عن
ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)
قوله: (إشَارَة إلَى ما احتج به إبْرَاهيم عَلَى قومه) أي إشارة إلَى الحجة المنفهمة من
المقام فلذا اخْتيرَت صيغة التأنيث (من قوله:(فلما جن عليه الليل) إلَى
قوله: (وهم مهتدون) .
قوله: (أو من قوله:(أَتُحاجُّونِّي إليه) إلَى قَوْلُه تَعَالَى:(وهم
مهتدون)فيه نوع ضعف. أما أولًا فلأنه لا موجب للتَّخْصِيص، وأما ثانيًا فلأنه
لا يظهر الحجة من هذا الْقَوْل ظهورها من قوله (فلما جن) الآية. وأما ثالثًا فلأنه لا يلائم قوله
في قَوْله تَعَالَى: (فلما جن) هذا بيان وتفصيل ثم قوله فأراد أن ينبههم
ويرشدهم الخ. فلذا آخره فلو قال: وقيل ومن قوله (أتحاجوني) إشَارَة إلَى
نزييفه لكان أولى في الرد والتزييف .
قوله: (أرشدناه إليها وعلمناه إياها) كالتَّفْسير لقوله أرشدنا وهذا التعليم إما بخلق
علم ضروري كما هُوَ الظَّاهر أو بوحي إن تحقق .
قوله: (متعلق بـ حجتنا) لأن فيها معنى الْفعْل .
قوله: (إن جعل) أي ما ذكر من حجتنا .
قوله: (خبر تلك) وهو الراجح لسلامته عن الحذف والتَّكَلُّف .
قوله: (وبمَحْذُوف أن جعل) أي حجتنا (بدله) من تلك بدل الكل والخبر [حِينَئِذٍ] آتيناها
قيل وإذا جعل (حجتنا) بدلًا يجوز أن يكون التركيب من قبيل الإضمار عَلَى شريطة التَّفْسير .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المعصية لا أولى لأن الحمل عَلَى الكفر يأباه لفظ اللبس لأن اللبس هُوَ الخلط يقتضي الاجتماع
والكفر مع الإيمان لا يجتمعان. قال الإمام: [] الْمُرَاد عدم خلط الإيمان باللَّه بإشراك الأصنام له في
المعُبُوديَّة والدليل عليه أن هذه القصة إنما وردت في نفس الشركاء وليس فيها ذكر الطاعات فوجب
حمل الظلم عليه. أقول: ورد الإشكال الْمَذْكُور عَلَى ما قال الإمام أَيْضًا لأن التصديق بوجود الصانع
الحكيم لا يكفي في الإيمان وإلا لكان جميع الْمُشْركينَ مؤمنين لأنهم قَالُوا بوجود الصانع الحكيم
بل لا بد فيه من التصديق بوحدانية الله تَعَالَى وهو منافٍ للشرك قطعًا. ويمكن أن يجاب عنه بأن
المراد بالإيمان في الَّذينَ آمَنُوا الإيمان التصديق اللغوي وهو التصديق، فالْمَعْنَى الَّذينَ صدقوا بوجود
الصانع ولم يلبسوا تصديقهم ذلك بشرك يدل عَلَى ذلك قول المص وليس الإيمان إيمان يصدق
بوجود الصانع الحكيم .