قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ(9)
قوله: (وجعلنا) أي وإنا جعلنا عطف عليه، وإعادة الْفعْل للتنبيه عَلَى أنه
نوع آخر من التمثيل (من بين أيديهم) كناية عن قدامهم ولفظ مِن إما مقحمة أو
بمعنى في، ولا يبعد أن يكون للابتداء (فَأَغْشَيْناهُمْ) أي فَأَغْشَيْنا أبصارهم بقرينة(فَهُمْ لاَ
يُبْصِرُونَ).
قوله:(وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في
[أنهم] محبوسون)وبمن أحاط بهم الخ. عطف عَلَى قوله بالَّذينَ غلت أعناقهم أي بتمثيلهم
أَيْضًا بمن أحاط بهم الخ. قوله: (وجعلنا من بين أيديهم) اسْتعَارَة تمثيلية شبه
أيضًا حال الكفرة الَّذينَ صمموا عَلَى الكفر بمن أحاط بهم سدان فذكر لفظ المشبه به وأريد
المشبه في قوله بهم إشَارَة إلَى أن من بين أيديهم ومن خلفهم كناية عن جميع الجوانب.
سدان تنكير السد للتعظيم أو لكون الْمُرَاد نوعًا من السد. قوله [فغطى] أبصارهم إشَارَة إلَى ما
ذكرناه من أن الْمَعْنَى فَأَغْشَيْنا أبصارهم بتقدير الْمُضَاف أو الْمَجَاز في الإيقاع. قوله: بحَيْثُ
لا يبصرون تنبيه عَلَى أن الماء في (فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) ، داخلة عَلَى المسبب
قدامهم الخ. فكما لا يبصرون قدامهم الخ. لا يبصرون إيمانهم وشمائلهم وفوقهم وتحتهم
أيضًا كما نبه عليه بقوله أحاط بهم والتَّخْصِيص بالذكر لأن الإبصار بالقدام حاصل بلا
تكلف فإذا لم يبصروه فعدم إبصار غيره بالأولوية وذكر الخلف لكونه مقابلًا بالقدام لأن
السالك إذا لم يكن له بدء من سلوك طريق يرجع إلَى خلفه وإذا أسند الطريق من خلفه
يقرب الهلاك .
قوله: (في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل. وقرأ حمزة
والكسائي وحفص سَدّا بالفتح وهو لغة فيه، وقيل ما كان بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وبمن أحاط بهم. عطف عَلَى بالَّذينَ غلت، مثلهم تارة بالَّذينَ غلت أعناقهم إلَى الأذقان
وتارة بالَّذينَ أحاط بهم سدان وكل واحد من التمثيلين من قبيل الاسْتعَارَة المركبة شبه في الأول
حالهم في الطبع عَلَى الكفر والاستكبار عن قبوله الحق وتعاميهم عن الدلائل والشواهد المنصوبة
للتذكر والاعتبار بحال الَّذينَ غلت أعناقهم في عدم قدرتهم عَلَى خفض رءوسهم غاضين أبصارهم
وفي الثاني شبه حالهم في ترك النظر في الآيات وعدم الاستدلال بالدلائل بحال الدين أحاط بهم
سدان بحَيْثُ لا يرون ما وراءهم .
قوله: في مطمورة الجهالة. المطمورة الحفرة التي يطمر فيها الطعام أي نحباء وقد
طمرتها أي ملأتها والْإضَافَة بيانية أي في مطمورة هي الجهالة فهي من إضافة المشبه به إلَى
المشبه مثل لجين الماء .