قوله: (وتعريفه باللام دون الْإضَافَة) بأن يقال ثم سبيله يسره كما هُوَ الظَّاهر؛ إذ السبيل
سبيله أريد المخرج أو طريقي الخير والشر.
قوله: (للإِشعار بأنه سبيل عام) أي عام لكل إنسان فلو قيل سبيله لوهم أنه عَلَى
التوزيع وإن لكل إنسان سبيلًا يخصه، أو أوهم أنه مَخْصُوص بنوع الْإنْسَان مع أنه متحقق في
سائر الحيوان أَيْضًا إذا أريد به الْمَعْنَى الأول وفي الجن موجود إن أريد به الْمَعْنَى الثاني
وهذا الوجه أولى من الأول فتأمل.
قوله: (وفيه عَلَى الْمَعْنَى الأخير إيماء بأن الدُّنْيَا طريق والمقصد غيرها) وجه الإيماء
هو أن السبيل يقتضي المقصد والمطلب فالدُّنْيَا سبيل ممر والْآخرَة مقصد ومقر قوله عَلَى
الْمَعْنَى الأخير إشَارَة إلَى أن هذا جار في المَعْنَيَيْن وليس بمَخْصُوص بالثاني، وأَيْضًا فيه رمز
على الْمَعْنَى الأول إلَى أنه تَعَالَى كما هُوَ قادر عَلَى إخراج الْإنْسَان من بطن أمه قادر عَلَى
إخراجه من بطن الْأَرْض وإحيائه بجميع الأجزاء الأصلية.
قوله: (ولذلك عقبه بقوله:(ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أي لكون المقصد غير
هذه الدار الفانية عقبه بقوله: (ثُمَّ أَماتَهُ) للتنبيه عَلَى أن هذه الدار الغرور
ليست بمقر لأحد ما لفنائها وسرعة زوالها؛ إذ الإماتة سبب الوصلة لتلك النعمة.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)
قوله: (جعله ذا قبر) عطفه بالفاء لأنه يعقب الإماتة وعطف إماتة بـ ثم لتراخيه في
أكثر الأفراد. وأَشَارَ إلَى أن همزة الإفعال للتعدية يقال: قبر الميت إذا دفنه وأقبره إذا أمر
بدفنه أو مكن منه كذا في الإرشاد. فمعنى جعله ذا قبر أمره بدفنه ولا يراد ظاهره؛ إذ هذا
الْمَعْنَى فعل المخلوق والدفن في القبر أكثري لا كلي وامتثال الأمر حسبما أمكنه ومعنى
أماته خلق موته أو أزال حياته سواء كان لكسب العبد مدخل فيه أو لا، فإسناد الإماتة إليه
تَعَالَى مجاز في صورة كسب العبد ويلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز في الإسناد وهو عندنا
غير جائز وإن جاز عند الشَّافعيّ. وقيل هُوَ جائز في الإسناد اتفاقًا فإن تم هذا فالأمر سهل
وإلا فيحمل عَلَى عموم الْمَجَاز أي ثم أماته سواء كان بدون كسب العبد فهو حَقيقَة أو
أحدث قدرة للعبد عَلَى الإماتة كسبًا كما في القتل فإسناد الإماتة إليه تَعَالَى مجاز، فالْمَعْنَى
الشامل لهما ما يطلق عليه الإماتة فلا تغفل.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)
قوله:(وعد الإِماتة والإِقبار في النعم لأن الإِماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية
واللذات الخالصة)وصلة في الْجُمْلَة أي بالنظر إلَى الْمُؤْمنينَ أو بالنظر إلَى الأصل ومقتضى
الفطرة وهذا عام لكن الْكُفَّار ضيعوه بسوء كسبهم واختيارهم الكفر الذي داء عظيم يفسد