الاستدلال بالآثار العلوية أدق من الاستدلال بالسفلية لأن اخْتلَاف أحوال النبات مشاهد
بخلاف العلويات لاحتياجها إلَى تدقيقات حكمية وهندسية ميل إلَى مزخرفات الفلاسفة لأن
أحوال النبات غير مشاهدة بتمامها لما عرفت من أن وصول النداوة إلَى الحبة وانشقاقها
وسائر أحوالها قبل بروزها غير مشاهدة، وأما أحوال الليل والنهار الخ. فيكفي لنا في
الاستدلال الأحوال الظَّاهرَة منها ولا يحتاج إلَى أحوالها الدقيقة، ولا نعلم صحتها شرعًا
وكفى بالشرع قدوة لنا فخذ ذلك وكن من الشاكرين وزر الَّذينَ في خوضهم يلعبون .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ
يَذَّكَّرُونَ (13)
قوله: (عطف عَلَى الليل أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات) عطف
على الليل أو عَلَى النجوم في قراءة الْجُمْهُور. قوله ما خلق لكم أي ذرء بمعنى خلق وأوجد
ومنه الذرية عَلَى احتمال وما قيل إن فيه شبه التكرار فيكون الْمَعْنَى نفعكم بما خلق لنفعكم
فمدفوع بأن التكرير للتأكيد من شعب البلاغة صرح به الْمُصَنّف في سورة والمرسلات نعم
يحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مَحْذُوف أي خلق وأوجد كما قاله أبو البقاء. ولك أن تجعل
اللام للاخْتصَاص غير ملحوظ فيه معنى النفع قيل مع أن هذه الآية سيقت كالفذلكة فلا
محذور في التكرار .
قوله: (أصنافه) إشَارَة إلَى أنها مجاز عنها لكونها لازمًا لها .
قوله: (فإنها تتخالف باللون غالبًا) فإنها أي الأصناف الخ. بيان العلاقة. قوله غالبًا لأن
التخالف قد يكون بالطعم والشكل وهذا لا ينافي اللزوم لأنه لزوم عربي .
قوله: (إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم) أي
اخْتلَاف الأصناف في الطبائع أي في الألوان والطعوم كما ذكره من أن الأصناف تتخالف
باللون. وأشار بـ غالبًا إلَى تخالفها بغيرها وهو الهيئات والمناظر، كَمَا صَرَّحَ به وهذا الاخْتلَاف
مع اتحاد موادها فلا يكون إلا بإيجاد موجد حكيم مختار واجب الوجود دفعًا للدور أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنها تتخالف باللون غالبًا. يريد به بيان وجه تَخْصيص اللون بالذكر من بين ما به
الاخْتلَاف فيما بين المخلوقات .
قوله: إن اخْتلَافها في الطبائع الخ. جعل هذه الفاصلة أَيْضًا متضمنة للتفكر لأن الآثار هنا
سفليات يحتاج في أنا لها صانعًا إلَى إعمال رؤية وفكر .