فيه أصحاب الجرائم لا يستطيع أن يتفصى. بالفاء بمعنى أن يتخلص وهذا في الضال الذي يموت
على الضلال، أو عام خص منه البعض وهو من آمن منهم بعد ما ضل. والظَّاهر أنه لا يستقيم
العكس ولا اتفاق الحرف في الموضعين في نظر البلغاء وإن كان صحيحًا في نفسه ولذا جاء في
عامة المواقع (عَلَى هدى) و (في ضلال مبين) ولا مساغ لإنكار
صحة قولنا فلان عَلَى الكفر والضلال وفلان في الْإسْلَام والهدى .
[قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا
ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)
قوله:(هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في الإخبات حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم
والعمل إلى المخاطبين).
(قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا. يَوْم الْقيَامَة) ] هذا أدخل في الإنصاف الخ. حيث أسند الإجرام إلَى أنفسهم بصيغَة
الْمَاضي الدَّالَّة عَلَى التحقق وأسند العمل دون الإجرام وإن كان الْمُرَاد من الْكَلَام إلَى
المخاطبين المجرمين بصيغَة الْمُضَارِع وإن كان تعريضًا كما في شرح المفتاح فيكون نظير
قوله: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) الآية. وإن كان قوله:(وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا
تَعْمَلُونَ)لا يلائم التعريض. قوله يَوْم الْقيَامَة بقرينة قوله ثم يفتح .
قوله: (يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار) يحكم أي الفتح
بمعنى الحكم والفتاحة الحكومة والفتاح القاضي. قوله ويفصل بيان يحكم. قوله بأن يدخل
الخ. إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالحكم الحكم بالْفعْل وهو أقوى من الحكم بالْقَوْل وإن كان
مَجَازًا في الحكم بالْفعْل .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: هذا أدخل في الإنصاف، فإنه تنزل من المكافحة الصريحة ونسبة الضلال إليهم في
قوله: (قل ادعوا الَّذينَ زعمتم) الآية. إلَى تردد في قوله:(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى
أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)ثم منه إلَى نسبة الإجرام إلَى نفسه والعمل إليهم، ولما كان(قُلْ لَا
تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)الآية. نازلًا بدرجتين عن أصل الْكَلَام كان أبلغ وأدخل في
الإنصاف. قَالَ صاحب الانتصاف وذكر الإجرام الْمُضَاف إلَى النفس بصيغَة الْمَاضي الذي يعطي
معنى التحقيق وذكر العمل المنسوب إلَى الخصم بما لا يعطي ذلك .
أقول: هذا وجيه [لأدخلية] هذا من الأول في الإنصاف بوَجْهَيْن. الأول التَّعْبير بلفظ الإجرام
في جهته وبلفظ العمل في جهتهم. والثاني التَّعْبير بلفظ المضي في جهته وبلفظ المستقبل في
جهتهم حتى أو قيل لا تسألون عَمَّا أجرمنا ولا نسأل عَمَّا تجرمون، أو قيل لا تسألون عَمَّا عملنا ولا
نسأل عَمَّا تعملون لكان أدخل أَيْضًا ولكن قيل لا تسألون عَمَّا أجرمنا ولا نسأل عَمَّا تجرمون جمعًا
بين النكتتين وقد أحسن وأجاد رحمه الله .