وكون الْمُرَاد ذنوبًا أخر لا يلائم المقام ؛ إذ التَّكْذيب من أعظم الجرائم فهو أحق بالسببية عَلَى
أنه يلزم توارد السببين؛ إذ الْمُتَبَادَر السبب التام وإرادة الناقص من السبب بعيد ؛ إذ كثيرًا ما
اكتفى بأحدهما. وقد جوز كون الْمُرَاد بالذنوب ما سوى التَّكْذيب .
قوله: (أو اسْتئْنَاف بتفسير حالهم) وهي التَّكْذيب وأخذهم الله بذنوبهم وهذا الأخذ
غير متحقق في المشبه، إلا أن يقال إن الْمُرَاد الاستحقاق وهَؤُلَاء استحقوا الأخذ والانتقام
لكنهم لم يؤخذوا في الدُّنْيَا بحرمة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن هذا لا يلائم التشبيه هنا ؛ إذ المشبه
بهم أخذوا وعوقبوا بالْفعْل، فالأولى أن التشبيه باعْتبَار الشق الأول .
قوله: (أو خبر إن ابتدأت بالَّذينَ من قبلهم) وهذا إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالاسْتئْنَاف
الاسْتئْنَاف النحوي لا الْمَعَاني (فالَّذينَ) مبتدأ (وكذبوا بآياتنا)
خبره، وأما الْمُرَاد يكون كذبوا اسْتئْنَافًا بيانيًا فظَاهر كأنه قيل كَيْفَ كان دأبهم
وشأنهم؟ فأجيب بأنه كذبوا بآياتنا ولهذا قال هنا بتفسير حالهم .
قوله: (تهويل للمؤاخذة) إشَارَة إلَى مناسبة لما قبله وأنه مرتبط به للتهويل. أي لبيان
شدة هوله حيث أخذه الله شديد العقاب (و) إنما قال (زيادة تخويف للكفرة) لأن أصل
التخويف حصل بقوله: (فأخذهم الله) فيكون مقررًا لمضمون ما قبله
من الأحذ الشديد. ومناسبة هذه الآية أنه لما ذكر دين الحق والتوحيد الذي هُوَ أصل العقائد
وأساسه وكيفية إيمان الراسخين بمتشابه الْقُرْآن ومحكمه عقبهم بأضدادهم العتاة [المردة]
الَّذينَ لا ينفع فيهم محكم الْقُرْآن فضلًا عن [متشابهه] ولم يعطف قصتهم عَلَى ما قبلها
لتباينهما في الغرض [فإن] ما قبله سيق لبيان شأن الْقُرْآن وقصتهم مسوقة لشرح حالهم وسوء
مآلهم سبب تمردهم في الكفر والضلال .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ(12)
قوله: (أي قيل لمشركي مكة سَتُغْلَبُونَ يعني يوم بدر) أي الْمُرَاد بالموصول
المشركون بناء عَلَى أنها نزلت قبل بدر كما روي عن مقاتل قيل فـ [حِينَئِذٍ] تنقطع الآية الكريمة
عما بعدها لنزولها بعد وقعة بدر فأشار البعض إلَى الْجَوَاب عنه فقال: وعلى هذا إذا كان
الخطاب في (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) لهم فهو إما مقول لهم بعد ذلك، أو عبر عن المستقبل بالْمَاضي
لتحقق وقوعه، وهذا الأخير هُوَ الأولى والقرينة عليه ما مَرَّ من قوله (سَتُغْلَبُونَ) .
قوله: (وقيل لليهود فإنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع