قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا
دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
قوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرط
بعد النهي عنه عند كونهم سفهاء .
قوله: (اختبروهم قبل البلوغ) والتَّقْييد بقوله: (حتى إذا بلغوا النكاح)
إذ كون البلوغ غاية الابتلاء يقتضي تقدم الابتلاء عليه فـ [حِينَئِذٍ] اليتامى حَقيقَة .
قوله: (بتتبع أحوالهم في صلاح الدين، والتهدي إلى ضبط المال وحسن التصرف) في
صلاح الدين اعتبره ولم يكتف بحسن التصرف كما اكتفى جار الله ؛ إذ الغالب إن من لم يكن
في صلاح الدين لم يهتد إلَى ضبط المال وكان من المبذرين أموالهم .
قوله: (بأن يكل) أي بأن يفرض من وكل يكل .
قوله: (إليه مقدمات العقد) إن كان من أهل التجارة فاختياره بما يليق بحالهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بأن يكل إليه مقدمات العقد. أي بأن يأذن له أن يفعل ما يتوقف عليه العقد من البيع
والشراء وسائر العقود فينظر هل له تبصر في الإقدام لكن لا يدفع إليه مالًا وهذا قول الشَّافعيِّ. وعند
أبي حنيفة بأن يدفع إليه شَيْئًا يسيرًا من ماله وينظر في تصرفه.[قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رضي الله تَعَالَى عنه: تَصَرُّفَاتُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رضي الله تَعَالَى عنه: غَيْرُ صَحِيحَةٍ، احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ:
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ إِنَّمَا يَحْصُلُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الِابْتِلَاءِ اخْتِبَارُ حَالِهِ فِي أَنَّهُ هَلْ لَهُ تَصَرُّفٌ صَالِحٌ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا الِاخْتِبَارُ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى نَفْسَ الِاخْتِبَارِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الِاخْتِبَارِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، يُقَالُ: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) إِلَّا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَابْتَلُوا الْيَتامى) أَمْرٌ لِلْأَوْلِيَاءِ بِأَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفَاتِهِمْ.
أَجَابَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَابْتَلُوا الْيَتامى) الْإِذْنَ لَهُمْ فِي التَّصَرُّفِ حَالَ الصِّغَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، وَإِذَا ثَبَتَ بِمُوجِبِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ حَالَ الصِّغَرِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ تَصَرُّفُهُ حَالَ الصِّغَرِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ] .
أقول: يمكن أن يجاب عنه من قبل الْحَنَفيَّة ؛ إذ الآية إنما
دلت عَلَى وجوب دفع جميع أموالهم إليهم بعد البلوع وإيناس الرشد ولا ينافي ذلك جواز دفع
شيء يسير من مالهم لامتحان تبصرهم في التصرف فيه فإن الغرض من ابتلائهم وامتحانهم حصول
العلم بتبصرهم في التصرف في مالهم وحصول العلم بتبصرهم في التصرف في مالهم موقوف عَلَى
التصرف فيه والتصرف موقوف عَلَى دفع شيء من مالهم إليهم، فالابتلاء موقوف عَلَى دفع شيء من
مالهم. فقوله عز وجل (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) فيه دلالة عَلَى دفع شيء من أموالهم إليهم
للامتحان فالأمر بالابتلاء يتضمن الأمر بالدفع عَلَى قدر حصول العلم بالتهدي في التصرف .