بأن قوى قلوبهم أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالتسليط ذلك دون المقاتلة بمكان قوله (فَلَقاتَلُوكُمْ) غايته أنه
سبب لها فلذلك أتى فَلَقاتَلُوكُمْ بالفاء، وأما اللام فلجواب لو عَلَى التكرير، وأما كونه بدلًا من
الأولى فلا يلائم ما أشار إليه الْمُصَنّف ثم إن هذه الْجُمْلَة امتنان منه تَعَالَى بأنه سبحانه قذف
الرعب في قُلُوبهمْ فكرهوا أن يقاتلوا ولو شاء خلاف ذلك لبادروا إلَى المقاتلة .
قوله: (فلم يقاتلوكم) عطف عَلَى الشرط .
قوله: (فلم يتعرضوا لكم) كأنه نبه عَلَى أن الاعتزال يراد به عدم التعرض بعلاقة
اللزوم لينتظم جمع الْوُجُوه التي أسلفت في أو جاءوكم .
قوله: (أي الاستسلام والانقياد) وإلقاء الاستسلام كافٍ في عدم إذن القتال وإن لم
يعاهدوا. كذا قيل. لكن الظَّاهر حمل الآية عَلَى المعاهدين وإلا فتكون الآية منسوخة بآية
القتال كما ذهب إليه بعضهم .
قوله: (فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم) عدم الجعل كناية عن عدم الإذن .
قَوْلُه تَعَالَى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (91)
قوله: (يُريدُونَ) حال من آخرين والإرادة مقارنة للوجدان وإن لم يكن الآمنين
مقارنًا له بل الأمن من الْمُسْلمينَ وقت ملاقاتهم كما أشار إليه ليأمنوا الْمُسْلمينَ .
قوله:(هم أسد وغطفان، وقيل بنو عبد الدار أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا
المسلمين فلما رجعوا كفروا)ليأمنوا قومهم فقصدهم محافظة العاجل لا قصد الآجل
فيلتزمون ما هُوَ سبب حظهم في الدار الدنية معرضين عن تَحْصيل الدار السنية(دعوا إلَى
الكفر أو إلَى قتال الْمُسْلمينَ عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب).
قوله: (وينبذوا إليكم العهد) فيه دليل عَلَى أن الْمُرَاد بإلقاء السلم في الآية المتقدمة
نبذ العهد وتأكيد الوعد وهنا عدم ذلك (عن قتالكم) .
قوله: (حيث تمكنتم منهم فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض) عن القتال فيه
تصريح لما قلنا من أن الآية المتقدمة في حق المعاهدين دون المعاندين أي فإن مجرد
الكف عن القتال بدون الاعتزال كما قال . (فإن لم يعتزلوكم) وبدون إلقاء
السلم لا يوجب نفي التعرض ؛ إذ الموجب لنفي التعرض مجموع الأمور الثلاثة وهي
الاعتزال والكف عن القتال ونبذ العهد فإذا التقى واحد منها فضلًا عن انتفاء الاثنين منها لا
يوجب نفي التعرض فلذا قال الله تَعَالَى: (فإن لم يعتزلوكم) إلَى قَوْله:
(فخذوهم) الآية. لانتفاء الأمرين من الأمور الثلاثة الموجبة لنفي التعرض
وإن كان موجودًا منها الكف عن القتال وحده لأنهم في صدد القتال بعدو يدل عليه دلالة
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ) الآية.