الْمَعْنَى قيل عني لم يكن شاكًا في إيمانهم لاستحالته منه تَعَالَى، بل صدر الشرطية بأن تهكمًا
بهم أو خطابًا معهم عَلَى حسب ظنهم فإنهم ادعوا الإيمان للإشَارَة إلَى قياس استدل فيه
ببطلان اللازم عَلَى بطلان الملزوم، كما أشار إليه بقوله فإذًا لستم بمُؤْمنينَ(وتقديره إن كنتم
مؤمنين بها لم يأمركم بهذه القبائح ولا [يرخص] لكم فيها إيمانكم بها، أو إن كنتم مؤمنين بها)
بالتَّوْرَاة (فبئسما [يأمركم] به إيمانكم) أي فقد أمركم إيمانكم (بها) بالقبح لكن اللازم باطل
وكذا الملزوم. قوله لكن الإيمان لا يأمركم به إشَارَة إلَى بطلان التالي مع دليله. قوله(لأن
الْمُؤْمن يَنْبَغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر فإذًا لستم بمُؤْمنينَ)
إلى وجه قبح ذلك الأمر. قوله فبئسما يأمركم جواب مقدر للشرط الْمَذْكُور، والقرينة ما قبله
وليس بجواب مقدم؛ لأنه منعه البصريون وإن جوزه الكوفيون، أو الْجَوَاب ما أمركم بهذه
القبائح تقديره إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ بها ما أمركم إيمانكم بها بهذه القبائح لكن الأمر ثابت فإذًا
لستم بمُؤْمنينَ، وحمل الوجه الأول عَلَى مجرد كون إن للفرض والتقدير كما في قوله
تَعَالَى: (قُلْ إنْ كَانَ للرَّحْمَن وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابدينَ) بلا بيان قياس
شرطي ضعيف. قوله ولا يرخص لكم فيها إيمانكم. قيل يدل عَلَى أن الْمُرَاد بالأمر ليس معناه
الحقيقي بل ما قد يستعمل فيه مَجَازًا، وهو الإباحة والترخيص انتهى. قال الْمُصَنّف في تفسير
قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسُّوء) واسْتُعيرَ الأمر لتزيينه وبعثه لهم عَلَى
الشر تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم انتهى. والأمر هنا كَذَلكَ اسْتُعيرَ لبعث الإيمان بالتَّوْرَاة
على تلك القبائح تسفيهًا لرأيهم وتوبيخًا عَلَى صنيعهم، ومثل هذا لا يقال الأمر يستعمل
للإباحة مَجَازًا عَلَى ما هُوَ المُتَعَارَف عندهم، وإنما يقال هذا في صيغة الأمر مثل: كلوا
واشربوا، والإشكال بأن اتخاذ العجل بعد مهلك فرعون وقبل نزول التَّوْرَاة فَكَيْفَ يقال بئسما
يأمركم الإيمان بالتَّوْرَاة باتخاذ العجل مندفع بما ذكرنا في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(ولَقَدْ جَاءَكُمْ
مُوسَى بالْبَيّنَات ثم اتَّخَذْتُمُ الْعجْلَ)الآية. ولو قيل الْمُرَاد بالإيمان الإيمان
بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وبالتَّوْرَاة لسلم من الإشكال بالمرة .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخرَةُ عنْدَ اللَّه خالصَةً منْ دُون النَّاس فَتَمَنَّوُا
الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادقينَ (94)
قوله: (خالصة أي خاصة بكم) أَشَارَ إلَى أن معنى الخلوص الاخْتصَاص. نقل عن الرَّاغب
أنه قال: الخالص كالصافي إلا أن الخالص هُوَ ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي لا يعتبر
فيه ذلك، وقد يقال لما لا شوب فيه، لكن الْمُرَاد هنا معنى الانفراد مَجَازًا ؛ إذ ما زال عنه شوبه
يكون منفردًا عن الشوب، ويحتمل أن يكون حَقيقَة في هذا الْمَعْنَى أَيْضًا، ويؤيده قول البعض
الخلوص، ولام الاخْتصَاص تقتضي انفرادهم بها، لكن الحمل عَلَى الْمَجَاز أولى .
قوله: (كما قلتم:(لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كانَ هُودًا) نبه به علي أن
المراد بالدار الْآخرَة الجنة بقرينة هذا الْقَوْل وعلاقة الْمَجَاز الإطلاق والتَّقْييد أو المقصود
من الْآخرَة الثواب بالذات والعقاب إنما قصد بالعرض .