الأول لتشبيه الكفر أي أن المشبه والمشبه به هنا مغاير لهما في الآية الأولى كما بينه
الْمُصَنّف فلا يكون هذا تكريرًا للتأكيد بل تأسيسًا لتشبيه التغيير أي تغييره تَعَالَى النعمة
فيكون الْمُرَاد بالدأب ما فعل بهم .
قوله: (بسَبَب تغييرهم ما بأنفسهم) إشَارَة إلَى دأبهم الذي فعلوه وقد عرفت إطلاق
الدأب عَلَى المَعْنَيَيْن فيكون كدأب هنا اسْتئْنَاف آخر كما اختاره المصنف. والْمَعْنَى دأب
هَؤُلَاء كدأب آل فرعون وقوله: (كذبوا بآيات ربهم) تفسير للدأب الذي
فعلوه وقوله: (فأهلكناهم) تفسير للدأب الذي فعل بهم وإرادة المَعْنَيَيْن
في إطلاق وأحد مما جوزه الْمُصَنّف ومن لم يجوز فيسلك مسلك عموم الْمَجَاز وفي هذا
المقام احتمال آخر أشار إليه الْمُصَنّف في سورة آل عمران وقد أوضحناه سابقًا، ولا يخفى
عليك أن قول الْمُصَنّف الأول لتشبيه الكفر والأخذ به إشَارَة إلَى المَعْنَيَيْن للدأب .
قوله: (من الفرق المكذبة، أو من غرقى القبط وقتلى قريش) الفرق المكذبة سواء
كانت غرقى القبط وقتلى قريش أو غيرهم من الَّذينَ من قبيل آل فرعون وعن هذا قابله قوله
أو من غرقى القبط الخ.
قوله: (أنفسهم بالكفر والمعاصي) أي وضعوا الكفر مَوْضع التصديق والمعاصي
مكان الطاعات ولذلك أصابهم ما أصابهم وكما ظلموا أنفسهم ظلموا أَيْضًا غيرهم بوقوع
الهرج والمرج وحبس المطر والقحط بشؤم ذنوبهم وكفرهم .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(55)
قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) التَّعْبير بالدواب قد مَرَّ وجهه سابقًا (عند الله) معنى عند هنا
الحكم والقضاء أو العلم .
قوله: (أصروا عَلَى الكفر ورسخوا فيه) حمل الكفر عَلَى إصراره لقَوْله تَعَالَى:(فَهُمْ
لا يُؤْمِنُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
التشبيه في الأول تشبيه كفر أعداء الدين في غزرة بدر بكفر آل فرعون وتشبيه أخذهم بالقتل والأسر
بأخذهم بإغراق وفي الثاني تشبيه تغيير الله تَعَالَى نعمة هَؤُلَاء الأعداء بسَبَب تغييرهم ما عندهم من
الحال إلَى السوء من الحال الأولى بتغيير الله نعمة آل فرعون لتغييرهم ما بأنفسهم من الحال .
قوله: أصروا عَلَى الكفر ورسخوا فيه. معنى الإصرار والرسوخ في الكفر مُسْتَفَاد من قرينة
قوله: (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) المرتب عليه بالفاء الدَّالَّة عَلَى أن كفرهم بسَبَب لعدم إيمانهم
وإلا فمطلق الكفر لا يلزم أن يكون مطبوعًا عليه ؛ إذ يجوز أن يكون عاقبته الْإسْلَام وهذا الذي ذكرنا
هو وجه التَّنْبيه في قوله والتَّنْبيه عَلَى أن تحقق العطف يستدعي تحقق الْمَعْطُوف فإن ترتيب الشيء
على الشيء يدل عَلَى أن المرتب عليه شيء يستدعي حصول المرتب وقوعه فإن صحة عطفه عليه
بالفاء الدَّالَّة عَلَى الترتيب إنما تكون إذا كان في الْمَعْطُوف عليه معنى مقتض للمَعْطُوف وإلا لا
يكون لترتيبه عليه وجه .