والتَّعْبير بالآيات في التلاوة عليهم لإفادة أنها تدل عَلَى الوحدة وسائر صفات الْكَمَال وعلى
الرسالة بإعجازه، وفي التَّعْبير بالْقُرْآن في التعليم لقطع النظر عن كونه دالٍّا لما سبق من التَّنْبيه
عليه قدم [التزكية] عَلَى التعليم هنا عكس ما في البقرة؛ إذ الواو لا يقتضي الترتيب والتعليم
مقدم عَلَى التزكية في الوجود وهي مقدمة عليه رتبة لكونها مقصودة أصالة.
قوله: (أو معالم الدين من المنقول والمعقول) أي الْكتَاب إشَارَة إلَى المنقول من
المعالم والْحكْمَة إشَارَة إلَى المعقول من معالم الدين، وهذا أتم من الأول لعمومه المعقول
دون الأول، والْمُرَاد به الأمور الْعَقْليَّة التي يعلم بها الدين ويستدل بها عَلَى القواعد الدينية
الاعتقادية والعملية، وهذا ظَاهر في الاعتقادية فإن كل حادث يستدل به عَلَى التوحيد.
وصفات الْكَمَال ونحوها بخلاف العملية فإن كلها نقلي، بل بعض الاعتقادية لا يعرف بالعقل.
فالظَّاهر أن مراده معالم الدين من الاعتقادية بالنسبة إلَى بَعْضٍ أفراده. وصاحب الكَشَّاف لم
يتعرض له، وعلى هذا فالْكتَاب والْحكْمَة كناية عن جميع العقليات والنقليات كما ذكر
السَّمَاوَات والْأَرْض ويراد بهما جميع ما سوى الله وصفاته مَجَازًا أو كناية، ثم المعالم جمع
معلم وهو المحل الذي يعلم منه الشيء.
قوله: (ولو لم يكن له سواه معجزة لكفاه) سواه أي سوى ما ذكر من تعليم الْكتَاب
والْحكْمَة لكفاه فإن من لم يمارس في عمره قبل البعثة وهو مقدار أربعين سنة علمًا ولم
يشاهد عالمًا ولم ينشئ قريضًا ولا خطبة، ثم علمهم كتابًا احتوى عَلَى قواعد الأصول
والفروع، وعلم الْحكْمَة علم علمًا قطعيًا أنه معلم به من الله تَعَالَى.
قوله: (من الشرك وخبث الجاهلية، وهو بيان لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم) من
الشرك بيان الضلال وخبث الجاهلية من الأمور الحادثة المتعلقة بالْأَعْمَال كالبحيرة والسائبة
والوصيلة. قوله وهو بيان الخ. فلا إشكال بأنه ظَاهر فما الفَائدَة في الخبر.
قوله: (وإزاحة لما يتوهم أن الرَّسُول تعلم ذلك من معلم) وإزاحة أي إزالة لما يتوهم
الخ. وقد أوضحنا هذا آنفًا وقد علموا أنه لا يتعلم من غيره فهذا مسلم عندهم، وأما قولهم
عنادًا (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) فقد رده الله تَعَالَى بقوله:(لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا
لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ).
قوله: (وإِنْ هي المخففة واللام تدل عليها) أي لا شرطية؛ إذ اللام فارقة بَيْنَهُمَا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3)
قوله: (وَآخَرِينَ) جمع آخر بمعنى غير لا اسم تفضيل.
قوله: (عطف عَلَى الأميين أو المنصوب في(يُعَلِّمُهُمُ) وهم الَّذينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عطف عَلَى أميين. أي وآخرين من الأميين. قال صاحب الكَشَّاف في منهم للتبيين
وليست من التي [تستعمل] مع أفعل لأن (مِن) تلك لا يجوز معها جمع الاسم لا يقال: الزيدون أفضلون
من عمر، ولأن أول وآخر وإن كانا أفعل لا يكاد يوجد استعمال مِن معهما.