الأخيرة منزل منزلة اللازم؛ إذ لم يذكر له مَفْعُول كما في القراءة الأولى فكأنه قيل حِينَئِذٍ
فشرذ بسَبَب قتلهم غيرهم في ورائهم فيؤول إلَى حاصل معنى القراءة الأولى فإن حاصله
فشرذ بهم من هُوَ خلفهم في ورائهم.
قوله: (في الوراء) اختار لفظة في توضيحًا للمراد وقطعًا لاحتمال كونها موصولًا لو
ذكر لفظة من ولتقارب من وفي ذكر صاحب الكَشَّاف في قَوْله تَعَالَى(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ)الآية. وكَذَلكَ قَالُوا جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان
للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأن الْفعْل يقع في بعض الجهتين انتهى. فتأمل واستخرج
هذه الدقيقة الأنيقة في هذا المَوْضِع
قوله: (لعل المشردين يتعظون) اسم من التفعيل أي ضمير لعلهم راجع إليهم أما في
القراءة الأولى فظاهرة، وأما في الثانية فبطَريق الاستلزام كما أوضحناه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
الْخائِنِينَ (58)
قوله: (معاهدين) هذا الوصف مُسْتَفَاد من خيانة؛ إذ النقض بعد العهد.
قوله: (نقض عهد بأمارات تلوح لك) أي تظهر وفيه تنبيه عَلَى أن الخوف هنا بمعنى
الظن لا بمعنى الخشية.
قوله: (فاطرح إليهم عهدهم) مَفْعُول لقوله (فانبذ) حذف لمكان القرينة والطرح مجاز عن
إنبائهم بأن لا عهد بعد اليوم والعهد الذي بيننا منتقض غير ملتفت كالشيء المطروح شبه العهد
بالشيء المطروح في عدم الرغبة وهذا اسْتعَارَة بالكناية وإثبات النبذ عليه اسْتعَارَة تخييلية ثم
الْمُرَاد بالنبذ إما معناه الحقيقي كما هُوَ رأي الْجُمْهُور فالاسْتعَارَة في إثباته كما بينا أو أمر موهوم
يناسب العهد فالبذ [حِينَئِذٍ] اسْتعَارَة تخييلية لذلك الأمر المتخيل وهذا مذهب السكاكي.
قوله: (عَلَى عدل وطريق قصد في العداوة) أي سواء هنا بمعنى العدل والتوسط بين
الإفراط والتفريط وإليه أشار بقوله وطريق قصد أي توسط ووسط بَيْنَهُمَا.
قوله: (ولا تناجزهم في الحرب فإنه يكون خيانة منك) ولا تناجزهم أي لا تعاجلهم
بأن تحاربهم قبل الإعلام بنقض العهد وأورد هذا النهي لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
قوله: (أو عَلَى سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد) أي سواء هنا باقٍ عَلَى
الْمَعْنَى المصدرية أي الاستواء لا بمعنى المستوي كما في الوجه الأول ووجه كونهم عَلَى
السواء في الخوف أن القوم يخافون بإخبار نقض العهد كما خاف أصحاب النَّبيّ عليه
السلام بأمارات تشعر بأنهم في شرف نقض العهد، وكذا الْكَلَام في الاستواء في العلم فإنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى عدل وطريق قصد وذلك أن يظهر لهم نبذ العهد عَلَى سواء إخبارًا مكشوفًا بينًا
أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم عَلَى توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك
المناجزة المعاجلة أي لا تعاجلهم في الحرب قبل إعلامهم أنك قطعت ما بينك وبينهم من العهد.