قوله:(فما لكم ترفضون اليوم حق الله لمن يفر منكم غدًا، وقرأ حمزة والكسائي
يُفَصِّلُ بكسر الصاد والتشديد وفتح الفاء، وعاصم يَفْصِلُ. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو يُفَصَّلُ
على البناء للمَفْعُول مع التشديد)فما لكم ترفضون الخ. هذا هُوَ الْمُرَاد بقوله يفصل
بينكم فلذا فرع عليه هذا. قوله لمن يفر منكم كما تفرون منهم غدًا أي في يَوْم الْقيَامَة
مُسْتَعَار لها، وفي قوله بينكم تَغْليب المخاطبين عَلَى الغائبين. وفي الكَشَّاف: وَقُرئَ «يُفصَل»
ويُفَصَّلُ مبنيًا للمَفْعُول الأول ثلاثي والثاني من باب التفعيل. وقرئ أَيْضًا «يُفْصَلُ» من
الإفعال و «يُفَصِّلُ» من التفعيل.
قوله: (وهو بينكم) أي الْمَفْعُول الذي أقيم مقام الْفَاعل بينكم إلا أنه بني عَلَى الفتح
لإضَافَته إلَى غير المتمكن، ويجوز في مثله كون نائب الْفَاعل هُوَ المصدر أي فصل هنا
(فيجازيكم عليه) .
قَوْلُه تَعَالَى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ
لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)
قوله: (قدوة. اسم لما يؤتسى به) قدوة بكسر القاف والضم أَيْضًا. اسم لما يؤتسى به
أي لما يقتدى به إما مَجَازًا أو نقلًا فإنه في الأصل مصدر سمي به الْمَفْعُول. أي المقتدى به
أي خصلة حسنة محمودة يجب أن يقتدى به ويفعله، وجعل نفس الخصلة مقتدى به مُبَالَغَة
مع أن المقتدى به إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ في تلك الخصلة، أو هُوَ في نفسه مقتدى به، ولذا قيل:
قوله (في إبْرَاهِيمَ) تجريد مثل قَوْلُه تَعَالَى: (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) وتمام
الْكَلَام قد مَرَّ في سورة الأحزاب.
قوله:(صفة ثانية أو خبر كان ولَكُمْ لغو، أو حال من المستكن في حَسَنَةٌ أو صلة لها
لا لـ أُسْوَةٌ لأنها وصفت)صفة ثانية [لا] لـ أُسْوَةٌ وخبر كان لكم قدم للاهتمام هذا هُوَ الوجه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو بينكم. أي مَفْعُول يفصل القائم مقام فاعله هُوَ لفظ بينَكم بفتح النون ومحله رفع
على قياس قَوْلُه تَعَالَى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) عَلَى أن بينكم بفتح النون فاعل تقطع
وموضعه الرفع. قال أبو علي: هُوَ عَلَى قوله أي عَلَى قول ابن عامر مفتوح والمَوْضع مَوْضع رفع.
قوله لا لأسوة لأنها وصفت. أي أو صلة لـ حسنة لا لأسوة لأن المصدر الْمَوْصُوف لا يعمل
لوقوع الصفة لاصلة بينه وبين معموله والاسم الضعيف العمل لا يعمل فيما هُوَ أبعد منه. قال
الزَّمَخْشَريُّ: قرئ أسوة وإسوة. وهو اسم المؤتسى به، أى كان فيهم مذهب حسن مرضى بأن يؤتسى
به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم [العصا] ،
وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا
السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء
محبة، والمقت [إلفة] ، فأفصحوا عن محض الإخلاص.