فيما كانوا خلاف ذلك. وفيه تنبيه عَلَى أن الْمُرَاد بالشكر الشكر العرفي وهو الْمُتَبَادَر في
عرف الشرع .
قوله: (نعمة إلَى نعمة) إشَارَة إلَى الْمَفْعُول الثاني الْمَحْذُوف، والْمُرَاد بها إما الترقي
في العرفان والعمل بالإحسان أو النعمة الدنيوية كالصحة والأمان عن الخوف والعدوان
وإكثار الأموال والأولاد مع طيب العيش وحسن الحال. قوله إلَى نعمة أي منضمة إلَى نعمة
سابقة عليها .
قوله: (فلعلي أعذبكم على الكفران عذابًا شديدًا) أَشَارَ إلَى أن الْجَوَاب مَحْذُوف أقيم
علته مقامه وعبر بصيغة الترجي لسبق رحمته وكرمه عَلَى غضبه وهذا لا يساعد القطع، وإنما
قال: (إن عذابي لشديد) لأنه تَعَالَى إن [عذب] بالكفران لعذبه عذابًا شديدًا
لكنه يرجى عفوه ويتمنى رحمته، ثم إنه حمل إن كفرتم عَلَى كفران النعمة لمقابلته الشكر لا
على الكفر المضاد للإيمان ولو حمله عليه لا يكون لقوله فلعلي وجه .
قوله: (ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد) حيث لم يقل إن
عذابي لكم لشديد أو لأعذبنكم كما قال لأزيدنكم بل لوح إليه بذكر علته إن عذابي لشديد
وقيل إنه جار عَلَى عادته تَعَالَى أَيْضًا في إسناد الخير للذات المقدس دون الشر حيث قال
في الأول (لأزيدنكم) وفي الثاني (إن عذابي لشديد) ولم يأت لتركيب لأعذبنكم انتهى. قوله
دون الشر بخصوصه، وأما إسناده بطَريق الإطلاق فلا يفيه القائل. وفي كلامه إشَارَة إلَى ذلك
فلا وجه لما قيل وفيه نظر لأن عذابي مصدر مضاف لفاعله ، والفرق بينه وبين صريح الإسناد
محل نظر .
قوله: (والْجُمْلَة مقولة قول مقدر) أي قوله: (لئن شكرتم) مَفْعُول
قول مقدر وهذا الْقَوْل المقدر حال من فاعل تأذن أي قائلأ: (لئن شكرتم)
أو التقدير هكذا وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ وهذا هُوَ الأولى ؛ إذ الأول وهم أن الْقَوْل
غير التأذن مع أنه تفسير له .
قوله: (أو مَفْعُول تأذن عَلَى أنه يجري مجرى قال لأنه ضرب منه) إذ الإعلام نوع من
مطلق الْقَوْل والْمُنَاسب الاكتفاء بهذا فإنه لما كان ضربًا من الْقَوْل فلا معنى للْقَوْل عَلَى أنه
يجري مجرى قال. ثم كلام هنا ينافر نوع ما كلامه في أواخر سورة الأعراف كما نقلناه سابقًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(8)
قوله: (وقال مُوسَى) شروع في بيان أن الأمر بالشكر والنهي عن الكفران لمصالح
العباد فقط حيث أوجب الأول المزيد والثاني يؤدي إلَى العذاب الشديد .
قوله: (من الثقلين) خص بهما لأن مَن لذوي العقول، وإنَّمَا بينه مع ظهوره لدفع توهم
التَّخْصِيص بالْإنْسَان ولقد أغرب من قال خص العموم المُسْتَفَاد من جَميعًا بهم لأنه غير متصور
من غيرهم انتهى. فإن جَميعًا حال من مَن في الْأَرْض وتأكيد له فلا عموم له لغير الثقلين .