ثم قيل إنما تدل الآية عليه لو لم يقدر ما كان لأصحاب النبي، ولا يخفى أنه خلاف الظَّاهر
مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ إذ لا يمكن أن يكون تقليدًا لأنه
لا يجوز له عَلَيْهِ السَّلَامُ التقليد .
قوله: (وأنه قد يكون [خطأ] ) وجه كونه خطأ ظاهرًا ؛ إذ استحقاقهم نزول العذاب في
شأن هذا الاجتهاد نص في عدم الإصابة .
قوله: (ولكن لا يقرون عليه) بل ينبهون عليه بالوحي فيعرفون عدم إصابتهم، ثم فَائدَة
المعرفة عدم العمل بذلك الحكم المجتهد فيه بعده أو فسخ ذلك الحكم بحَيْثُ إنه كان لم
يوجد ابتداء وما نحن فيه من قبيل الأول ؛ إذ أخذ الفداء وفسخ الحكم لم يوجد بل أُمرُوا بانتفاعه
بقوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) الآية. لكن إذا ظفروا الْكُفَّار لم يكن لهم أخذ الفدية
حتى يكون الشوكة للمسلمين فإذا [كانت] الشوكة لهم خيروا بين المنِّ والفداء كما مَرَّ .
قَوْلُه تَعَالَى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ(68)
قوله: (لولا حكم من الله سبق إثبانه في اللوح) إشَارَة إلَى وجه تعبير الحكم بالكتاب
الذي بمعنى المكتوب والحكم الشرعي الذي هُوَ خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين
مكتوب في اللوح .
قوله:(وهو أن لا يعاقب المخطئ في اجتهاده أو ألا يعذب أهل بدر أو قومًا لم
يصرح بهم بالنهي عنه)أو أن لا يعذب أهل بدر فلذلك عدوا من المبشرين بالجنة وغزوة
[بدر] لكونها غزوة صارت سببًا لشوكة الْإسْلَام فإنها أول الفتوحات ومنبع السعادات وعد
الله تعالى لمن حضر من الْمُسْلمينَ الْمَغْفرَة والتوفيق للطاعة أو قومًا الخ. وأهل بدر من هذا
القوم كما أنهم من المخطئين في الاجتهاد فهم ممن صدق عليه الأحكام الثلاثة، فالظَّاهر أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وأنه قد يكون خطأ. أي وأن اجتهادهم قد يكون خطأ ولا يقرون عليه. أي عَلَى الخطأ
فإنهم ينظرون من مشكاة النبوة فيكن لهم حَقيقَة الحال فيما عسى يقع منهم السهو ومن ذلك
بكاؤه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى آخذي الفداء لعرض عذابهم عليه . أقول خطأ المجتهد معفو بل
عليه أجر ولصوابه أجران فليت شعري لم عذبواعلى ذلك والحال أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - اختار ذلك بعد
الاجتهاد والاستيشار مع أصحابه، وفي الآية دلالة أَيْضًا عَلَى أنهم لا يقرون عليه وهي الإباحة
المُسْتَفَادة من قوله عز وجل: (فَكُلُوا) فإن الْمُرَاد منه الأكل من الفدية عند
الْمُفَسّرينَ أو حرمتها عَلَى الأولِين بكسر اللام أو بسَبَب حرمة الفدية عَلَى الأولِين فإن حرمتها
عليهم ربما يورث تجنبهم واحترازهم عنها فأزيح ذلك منهم بإباحتها لهم بقوله عز وجل(فَكُلُوا
مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا)ولذلك أي ولأجل إزاحة ذلك من نفوسهم وصف حلالًا
بـ (طَيِّبًا) وجه إزاحة ذلك منهم بوصف الحلال بالطيب هُوَ إفادة هذا الوصف تأكيد الحل وإلا فمجرد
وصف المغنوم أو أكله بالحلال يزيح ما وقع في نفوسهم من وجوب الاحتراز عن تناوله.