قَوْلُه تَعَالَى: (كَما أَرْسَلْنا فيكُمْ رَسُولًا منْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتنا وَيُزَكّيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ
الْكتابَ وَالْحكْمَةَ وَيُعَلّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)
قوله: (متصل بما قبله) الاتصال بطَريق كونه صفة لمصدر مَحْذُوف هُوَ مدلول عليه
لقوله (ولأتم) لكن باعْتبَار المُبَالَغَة؛ إذ الصّفَة في الْحَقيقَة والمشبه به إتمام النعمة بإرسال
الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن الكاف أدخل عَلَى الإرسال لذلك، وعن هذا قال المص كما
أتممتها بإرسال الخ. للإشَارَة إلَى أن المشبه به إتمام النعمة بإرسال رسول لا إرسال رسول
والتَّعْبير بإرسال لكون (ما) مصدرية.
قوله: (أي ولأتم نعْمَتي عَلَيْكُمْ في أمر الْقبْلَة أو في الْآخرَة) في أمر الْقبْلَة هذا عَلَى
تقدير أن يكون لأتم علة مَحْذُوف وهو أمرتكم وهو الوجه الأول المعول. قوله أو في الْآخرَة
على تقدير كونه عطفًا عَلَى علة واخشوني، وكلامه عَلَى نسق اللف والنشر الخطاب في
عليكم للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ وأمته وفي فيكم ومنكم للأمة فقط ولا ضير فيه.
قوله: (كما أتممتها بإرسال رسول منكم) أي من جنسكم؛ إذ الْقُوَّة البشرية لا تقوى
على رؤية الملك وأخذ الأحكام منه، فكون الرَّسُول من جنس البشر بل من أفصح العرب
إذ كان العرب مخاطبًا فقط، كما ذهب إليه البعض له مدخل تام في إتمام النعمة بإرسال
رسول فلذا قيده به.
قوله: (أو بما بعده أي كما ذكرتكم بالإرسال فاذْكُرُوني) أو بما بعده عطف عَلَى ما
قبله. أي أو متصل بما بعده وهو فاذْكُرُوني كما أشار إليه بقوله أي كما ذكرتكم بالإرسال
فاذْكُرُوني فالكاف أَيْضًا داخل عَلَى غير المشبه به للمُبَالَغَة والتقدير فاذْكُرُوني ذكرًا مثل
ذكري لكم بالإرسال، فمعنى الاتصال أَيْضًا أنه صفة لمصدر مَحْذُوف بطَريق المُبَالَغَة فيلزم
أعمال ما بعد الفاء فيما قبله وفي جوازه كلام لكن الْمُخْتَار عند المص الجواز قال في سورة
قريش متعلق بقوله: (فليعبدوا) الآية. وفي سورة المدثر في قَوْله تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أو بما بعده فتكون الكاف في (كما أرسلنا) للمقابلة متعلقًا بـ اذْكُرُوني أي فاذْكُرُوني
إرسالنا رسولًا منكم، وينسحب الْمَعْنَى إلَى فاشكروا لي عَلَى نعمة الإرسال، وفي معنى المقابلة يوجد
معنى التشبيه المستفاد من الكاف لأن المتقابلين متشابهان ومتبادلان لكن الأنسب عَلَى تعلقه بما
بعده أن يقال كما أرسلت أو فاذكرونا لذكركم قَالُوا تعلقه بما قبله أوفق لتأليف النظم عَلَى أن يكون
ولأتم نعمتي مَعْطُوفا عَلَى قوله (لئلا يكون) فترتبط الآيات أي حولنا القبلة إلَى الكعبة لئلا يكون
لليهود عليكم حجة ولأتم نعْمَتي عَلَيْكُمْ بجعل قبلتكم بنيا بناها أبوكم إبْرَاهيم وإسْمَاعيل وبالثواب
على التوجه إليها في الْآخرَة كما أتممت النعمة عليكم بإرسال الرَّسُول من ولد إسماعيل وإذا كان
كَذَلكَ فاذكروني بالطاعات واشكروا هذه النعم الجليلة، ثم إن النعم لا بد وأن تكون مشوبة في
الدُّنْيَا بالمكاره فإن نالكم شيء منها فاصبروا لتكُونُوا شاكرين عَلَى السراء صابرين عَلَى الضراء.