(وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) وخصص ربك بالتكبير ولكونه مقالًا في جوازه أخّره، وأَيْضًا
قوله: أذكركم بعد فاذْكُرُوني يأبى عنه في الْجُمْلَة.
قوله: (يتلو) من التلاوة أي يقرأ عليكم آياتنا قدم الظَّرْف عَلَى الْمَفْعُول به الصريح
للاهتمام؛ إذ الأهم التلاوة علينا لا التلاوة مُطْلَقًا وإيثار صيغة المتكلم مع الغير هنا وفي
أرسلنا للتنبيه عَلَى فخامة الإرسال وشرافة الآيات لا مجرد الافتنان بإيثار صيغة المتكلم مع
الغير بعد التوحيد فيما قبله، وهذه الْجُمْلَة صفة ثانية لـ رسولًا موضحة لكون الرَّسُول من إتمام
النعمة مع ما عطف عليه واخْتيرَ كونها جملة فعلها مضارع لتفيد الاسْتمْرَار التجددي مع
تقوية الحكم بخلاف الصّفَة الأولى وهي منكم فإنه متعلق بمَحْذُوف صفة للرسول.
قوله: (يحملكم عَلَى ما تصيرون به أزكياء) أشار به إلَى أن إسناد التزكية إليه عليه
السلام إسناد الْفعْل إلَى السبب؛ إذ ما هي له العبد بطَريق الكسب فهو إسناد مجازي بطَريق
التسبب والحمل كإسناد الهداية إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ وإلى الْقُرْآن بمعنى خلق الاهتداء وخلق
الزكاء والطهر من الشرك وسائر الخبث من اللَّه تَعَالَى، لكن الرَّسُول سبب لهذا الخلق وإلى
هذا أشار بقوله عَلَى ما تصيرون به أزكياء وصيرورتهم أزكياء عن الشرك والمعاصي بالْفعْل
إنما هُوَ بخلق اللَّه الكريم.
قوله: (قدمه باعْتبَار القصد وأخَّره في دعوة إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ باعْتبَار الْفعْل) قدمه
أي التزكية تذكير الضَّمير؛ لأن تأنيث المصدر ليس بتمحض فيه أي أن التزكية مقدم عَلَى
التعليم في التصور وغاية له ومؤخر عنه في الوجود والحصول، ولك أن تقول: بعبارة أخرى
إن التزكية لكونها غاية له علة له في الذهن والتعليم علة له في الخارج وحق العلة التقدم
طبعًا فروعي كلا الاعتبارين، فأشار بقوله باعْتبَار القصد إلَى أنه علة في الذهن فقدم وضعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: يحملكم عَلَى ما تصيرون به أزكياء أي يدعوكم ويحثكم عَلَى عمل تصيرون بذلك
العمل ظاهرين عن دنس الذنوب المكدرة لجوهر النفس، وإنَّمَا أخرجه عن ظاهره لأن شأن الرسل
الدعوة والحث عَلَى أعمال يحصل بها زكاء الأمة وطهارة نفوسهم عن الأمور المنغصة لها لا
تطهرهم إياهم بمباشرتهم من أول الأمر يدل عَلَى أن الْمَعْنَى ما ذكره. تقديم (يتلو عليكم آياتنا)
عَلَى (يزكيكم) وأن الْمُرَاد بالآيات الآيات الناطقة بالأوامر والنواهي والعبر والمواعظ.
قوله: قدمه باعْتبَار القصد أي قدم يزكيكم هَاهُنَا عَلَى [يعلمكم] الْكتَاب وأخَّره عنه في دعاء
إبْرَاهيم حيث قال(رَبَّنَا وَابْعَثْ فيهمْ رَسُولًا منْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهمْ آيَاتكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكتَابَ وَالْحكْمَةَ
وَيُزَكّيهمْ)فوجه تقديم الزكية هنا عَلَى تعليمهم الْكتَاب أن تزكية النفس لكونها علة
غائية للتعليم متقدمة في القصد عَلَى التعليم كما قَالُوا في الغاية المقصودة من الْفعْل هي أول الفكر
وآخر العمل وأخَّره هناك عنه باعْتبَار الْفعْل فإن فعل التزكية متأخّر في الوجود الخارجي عن التعليم
بدرجتين لأن التزكية إنما تكون بعد علم المتعلم بطريقها والعلم بطريقها لا يكون إلا بعد التعليم.