عنهما مرفوعا ومعنى لا يقال به لا يحدث به في محل يَنْبَغي أن يحدث فيه فإنفاق العلم
تعليمه وإنفاق ذي الجاه شفاعته الحسنة وذي القدرة نصر العاجزين. وجه التأييد هُوَ أنه يتضمن
تشبيه علم يقال به ويحدثه بكنز ينفق منه فيصح تعميم الإنفاق إلَى إنفاق المال وغيره.
قوله: (ككنز لا ينفق منه واليه) أي إلَى هذا الاحتمال الذي يراد به الإنفاق من جميع
المعاون (ذهب من قال ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون) التَّعْبير بالتَّخْصِيص
لرعاية أصل معنى الرزق وفَائدَة التبعيض حِينَئِذٍ الإشَارَة إلَى ما ورد من أنه كلموا النَّاس
على قدر عقولهم لا عَلَى قدر عقولكم فالاحتراز عن الإسراف بل عن التبذير واجب هنا
أَيْضًا لكن لا لضر يعود إلَى المنفق بكسر الفاء كما في إنفاق المال بل لضر يعود إلَى
المنفَق بفتح الفاء وجه الترقي أن التبذير صرف المال في غير محله وهو حرام ولو فلسًا
وكذا تعليم العلم وتحديثه لغير أهله ممنوع كما أن الإسراف وهو البذل متجاوز الحد حرام
وممنوع فيهما والرزق عَلَى هذا الاحتمال وإن كان عامًا لكن الذاهب خص أنوار المعرفة
بالذكر لشرفها وللإشَارَة إلَى أن الإنفاق التام والجود الكامل بذل الْحكْمَة والعلم فإن متاع
الدُّنْيَا عرض زائل وينقصه الإنفاق، وأما العلم فيزيد بالإنفاق والتعليم ولا يضره عدم تحقق
معنى الذهاب لأنه معنى مجازي وهذا لذاهب لم يدع إن هذا مختص بإنفاق المعرفة؛ إذ لم
يذهب إليه أحد بل مراده التعميم لكنه أظهر لما خفي وأعرض عَمَّا ظهر فلا إشكال بأن
المص قال (وإلى هذا التعميم ذهب من قال) الخ. مع أنه لم يذهب إليه بل إلَى تَخْصيص
إنفاق المعرفة فإضافة الأنوار من قبيل إضافة المشبه به إلَى المشبه ويحتمل أن يكون
اسْتعَارَة مكنية وتخييلية بتشبيه المعرفة بالنيرين ويفيضون اسْتعَارَة تبعية من فاض الماء فيضًا
وفيضوضة إذا كثر حتى سالَ عن جانب الوادي والفيض في الاصْطلَاح إنما يطلق عَلَى فعل
فاعل يفعل دائمًا لا لعوض ولا لغرض كذا في حاشية المطالع فاختيار يفيضون حاوٍ عَلَى
إشارات بارعة ورموز فائقة منها التَّنْبيه عَلَى مداومة التعليم ومنها التحديث بلا عوض ولا
غرض من الأغراض الفانية وتوضيح الاسْتعَارَة مفوض إلَى السليقة المستقيمة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذينَ يُؤْمنُونَ بمَا أُنْزلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزلَ منْ قَبْلكَ وَبالْآخرَة هُمْ يُوقنُونَ(4)
قوله: (هم مؤمنو أهل الْكتَاب) ذكر في توجيه العطف أربعة أوجه قدم هذا الوجه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: هم مؤمنو أهل الْكتَاب بقرينة (وما أنزل من قبلك) قوله؛ إذ المراد
بـ أُولَئكَ تعليل لتغاير الْمَعْطُوفين ذاتًا وكان عليه أن لا يقطع به بل يقول عَلَى أن الْمُرَاد بدل؛ إذ المراد
لاحتمال أن يكُونُوا عين الأول والعطف لتغاير الصفات كما ذكر بعده بقوله ويحتمل أن يراد به
الأولون بل هذا الاحتمال وهو احتمال أن يكُونُوا عن الأولين هُوَ الراجح لأن امتياز مؤمني أهل
الْكتَاب عن الْمُؤْمنينَ بالْغَيْب بهذه الصفات غير لائح لأن سائر الْمُؤْمنينَ يشاركونهم في هذه
الصفات فتَخْصيص كل بطائفة تحكم وما قيل من أن إيمان من آمن في عهد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالْكتَاب
المنزل من قبل من غير أهل الْكتَاب إنما هُوَ في ضمن إيمانهم بالمنزل عَلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بخلاف إيمان
أهل الْكتَاب فإن إيمانهم بما أنزل قبل الْقُرْآن ليس في ضمن إيمانهم بالْقُرْآن فبذلك قد تمايزا