بمدنية كالْآيَتَيْن في أواخر السُّورَة لكنه لم نطلع عَلَى ذلك وهذا ليس بأبعد مما في
التقريب والله تَعَالَى أعلم بالصواب.
قوله: (بأن ماتوا عَلَى الكفر) محمول عَلَى التمثيل فإن في معناه ما إذا علم بالوحي
أو لأن التبين الْمَذْكُور بالموت عَلَى الكفر يعم الْمُؤْمنينَ بخلاف [التبيين] بالوحي.
قوله: (وفيه دليل عَلَى جواز الاستغفار لأحيائهم) إذ المنع بعد وضوح أنهم من أهل
النَّار فيفهم منه جوازه قبل ذلك الوضوح.
قوله: (فإنه طلب توفيقهم للإيمان) ومن هذا القبيل قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ في أحد"اللهم"
اغفر لقومي فإنهم لا يَعْلَمُونَ"وفي رواية:"اللهم اهد قومي"لكن عند التأمل ليظهر أن"
الاستغفار لأحيائهم بالْمَعْنَى الحقيقي غير جائز أَيْضًا وما كان يجوز بالْمَعْنَى المجازي؛ إذ
التوفيق سبب الْمَغْفرَة. نعم يستفاد منه جواز كون دعاء التوفيق بلفظ الاستغفار لأحيائهم، وأما
بعد تبين حالهم فلا.
قوله: (وبه دفع النقض باستغفار إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ لأبيه الكافر) أي أن الآية تدل
على عدم جواز ذلك فضلًا عن الوقوع، وقد وقع عن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ. وجه الدفع واضح
كما قرره الْمُصَنّف سابقًا ولاحقًا، والْمُرَاد بالنقض نقض العموم، وبهذا يظهر أن اللام للجنس
والنَّبيّ عام كما أوضحناه سابقًا (فقال) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا
تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)
قوله: (وعدها إبْرَاهيم أباه بقوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما بين في سورة الممتحنة.
قوله: (أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان) إشَارَة إلَى ما فصلناه من أن الاستغفار
هنا بمعنى طلب التوفيق فلا ريب في جوازه (فإنه يَجُبُّ ما قبله) .
قوله: (ويدل عليه قراءة من قرأ أباه) بفتح الهمزة وفتح الباء الموحدة.
قوله: (أو وعدها) أي فاعل [وعد إما] (إبْرَاهيم أبوه) والأول هُوَ الظَّاهر(وهو
الوعد بالإيمان).
قوله: (بأن مات عَلَى الكفر) فحِينَئِذٍ يظهر عداوته؛ إذ الاعتبار بالخواتيم وإن كان
بحكم الحال مؤمنًا لكنه كافر عَلَى الْحَقيقَة، وهذا مذهب الشيخ الأشعري، كَمَا صَرَّحَ به
المصنف في أوائل سورة البقرة. وقيل ومعنى (عَدُوٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى مستمر عداوته وإلا فهو أولًا
عدو للَّه تَعَالَى (أو أوحى إليه بأنه لن يؤمن) .
قوله: (قطع استغفاره) بيان حاصل الْمَعْنَى لا الإشَارَة إلَى تقدير الْمُضَاف؛ إذ التبرؤ
عن ذاك الشيء ونفسه يستلزم التبرؤ عن جميع أحواله دون العكس، وتَخْصيص الاستغفار
من مقتضيات المقام.