وأحرى كما لا يخفى؛ إذ عدم الْمَغْفرَة للمشركين مقطوع به بقَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)الآية.
قوله: (فنزلت) أي هذه الآية مع الآية الثانية كما يؤيده قوله الآتي وأنزل عَلَيَّ الآيتين.
قوله: (وقيل لما فتح مكة خرج إلَى الأبواء) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة
والمد جبل بين مكة والمدينة وعنده بلدة ينسب إليه.
قوله: (فزار قبر أمه) فيه دلالة عَلَى أن حق الوالدة أكثر وأوفر من حق الأب، ولعل
هذا أي زيارة قبر الأم خصيصة له عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (ثم قام مستعبرًا) أي باكيًا من العَبرة بالفتح. فلما بكى عَلَيْهِ السَّلَامُ بكى من
معه، كَمَا صَرَّحَ به بعض شراح الْحَديث فلا يبعد أن يكون سين مستعبرًا للطلب كما
يكون للتأكيد.
قوله: (فقال «إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي) بيان وجه البكاء باعْتبَار
شقه الأخير فلم يأذن لي فحِينَئِذٍ سكب فيه العبرات بشدة التحزن والحسرات(واستأذنته في
الاستغفار لها فلم يأذن لي).
قوله: (وأنزل عَلَيَّ الْآيَتَيْن) فاستغفاره عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل نزول الْآيَتَيْن. وقال بعض
الشارحين: يجوز أن يكون لرجائه عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتصَاصه بذلك كما اختص [بأشياء] لم [تختر]
لغيره انتهى. فعلى هذا يجوز أن يكون بعد نزول الآية وإن لم يرض به الْمُصَنّف ولو صح
رجاء اخْتصَاصه بذلك لاندفع الإشكال أَيْضًا في وجه استغفاره عَلَيْهِ السَّلَامُ لأبي طالب بعد
وفاته عَلَى احتمال، وهذا الاحتمال نقله الإمام الصغاني عن مسلم وقال خرج مسلم عن أبي
هريرة - رضي الله تَعَالَى عنه - بتغيير يسير وهو استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي
واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. وقال شارحه: رأى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قبر أمه عام الحديبية
فبكى وأبكى من حوله انتهى. وقال بعض المحشيين هنا: وهذا حديث أخرجه عن ابْن عَبَّاسٍ
-رضي الله تَعَالَى عنهما - انتهى. ولا يخفى عليك المخالفة الواضحة فتوجه بالتفليقات الوافية
وبهذا ظهر وجه تعريض الْمُصَنّف هذه الرّوَايَة. فإن قيل موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو
ثلاث سنين وهذه السُّورَة آخر ما نزل بالمدينة فَكَيْفَ يتأتى جعل ما في الصحيحين سببًا
للنزول؟ أجيب بأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يستغفر له إلَى حين نزولها فإن التشديد عَلَى الْكُفَّار
والنهي عن الدعاء لهم إنما ظهر بهذه السُّورَة كما في التقريب كذا قيل، وأنت خبير بأن
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. والآيات الدَّالَّة عَلَى
خلود الْكُفَّار في جهنم أبدًا تنادي عَلَى خلاف ما ذكر في التقريب؛ إذ بعد تقرر مغفرة
الْمُشْركينَ ودوام عذابهم أي نفع لهم في الدعاء، فالأولى الحمل عَلَى رواية استئذان
استغفار أمه وإن لم يرض به الْمُصَنّف أو التزام أن هذه الآية وما بعدها مكية ليست
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: خرج إلَى الأبواء. وهو منزل بين مكة والمدينة.