قَوْلُه تَعَالَى: (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ(37)
قوله:(كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك: خلق زيد من الكرم، جعل ما
طبع عليه بمنزلة المطبوع وهو منه مبالغة في لزومه له)جعل ما طبع عليه أَشَارَ إلَى أن في
الْكَلَام اسْتعَارَة مكنية شبه العجل بمادة هي الْإنْسَان خلق منها في لزومه له كلزوم المادة له
مُبَالَغَة في لزومه له والخلق منه تخييلية وجوز أن يكون تصريحية، لعل مراده أنه يجوز أن
يكون خلق اسْتعَارَة مصرحة تبعية شبه جعل الطبع عَلَى العجل بخلقه منه.
قوله: (ولذلك قيل: إِنه على القلب ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد)
ولذلك قيل أي لعدم إمكان إبقائه عَلَى حقيقته قيل إليه عَلَى القلب أي خلق العجل من
الْإنْسَان، وأنت خبير بأنه يحتاج أَيْضًا إلَى التأويل عَلَى معنى أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزء
من أخلاقه فيلازمه حيثما كان وهذا التأويل ليس بأولى من عكسه، والْمُرَاد بالْإنْسَان الجنس
باعْتبَار أكثر أفراده فيدخل آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ دخولًا أوليًّا. وكونها الْمُرَاد بالْإنْسَان آدم يحمل
لأمه عَلَى العهد بعيد يأبى عنه المقام، ولذا قال المص ومن جملته مبادرته إلَى الكفر الخ.
قوله: (روي أنها نزلت في النضر بن الحارث حين استعجل العذاب) وقال اسْتهْزَاء:
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً) الآية. فإن هذه
الآية نزلت في [النضر] أَيْضًا .
قوله: (نقماتي في الدُّنْيَا كوقعة بدر وفي الْآخرَة عذاب النَّار) نقماتي جمع نقمة بمعنى
العذاب قوله وفي الْآخرَة الخ. وقربه المُسْتَفَاد من السين لأن كل آت قريب.
قوله: (بالإِتيان بها، والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها) جواب
سؤال مقدر بأنه يلزم منه التكليف بما لا [يطاق] لأن العجلة لازمة له كلزوم الحرارة للنار
فأجاب بأن النهي عنهما النهي عن العمل بمقتضاها وهو أمر يمكن تركه وهذا هُوَ الْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذلك قيل إنه عَلَى القلب. يعني أن الأصل عجل الْإنْسَان من خلق أي عجل إلى ما
تشتهيه نفسه قبل تمام خلقه ثم قلب فقيل (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) روي أنه لما دخل الروح في
رأس آدم وعينيه نظر إلَى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يدخل الروح
إلى رجليه عجلًا إلَى ثمار الجنة .
قوله: ومن عجلته مبادرته إلَى الكفر واستعجال الوعد. أي وعند نزول العذاب أو وعد يوم
الْقيَامَة واستعجال الوعد هُوَ قولهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
قوله: والنهي عَمَّا جبلت عليه نفوسهم. هذا جواب سؤال كأنَّ سائلًا قال: إن الْإنْسَان لا يقدر
على الانتهاء عن أمر مجبول هُوَ عليه فما معنى النهي عنه؟ [وأجيب] بأن النهي عَمَّا جبلت عليه
نفوسهم ليقعدوها عن مرادها أي ليقعد الكفرة نفوسهم إقعاد النفس عن مرادها كناية عن زجرها
وقمعها عنه، وهذا كما ركب الله فيها الشهوة وأمر صاحبها أن يعلمها لأنه تَعَالَى أعطاه القدرة التي
يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة .