الإضراب هنا أَيْضًا بمعنى الإبطال؛ لأنه كلام الغير وما وقع في كلامه تَعَالَى لا يكون بمعنى
الإبطال بل للترقي وإثبات جهلهم بأمور الدين حيث أثبت المعرفة بأمور الدُّنْيَا فقط ونفيت
عن أمور الدين، والْمُرَاد بذلك حسدهم فرد الله تَعَالَى بأنهم لم يحسدوا فإنه حكم الله تَعَالَى
ولكن لكمال جهلهم بأمور الدين افتروا عليهم.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16)
قوله: (كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعارًا بشناعة التخلف) أي هذا
مَوْضع الضَّمير لكنه أظهر لما ذكره.
قوله: (بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا [بعد] رسول الله صلّى الله عليه وسلم) حنيفة بوزن
سفينة وهم قوم [مسيلمة] الكذاب الَّذينَ ارتدوا بعد رسول اللَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ وقاتلهم أبو بكر
رضي الله تَعَالَى عنه.
قوله: (أو الْمُشْركينَ) أي مُطْلَقًا مشركي العرب ومشركي العجم وهذا مذهب
الشَّافعي، وعندنا مَخْصُوص بمشركي العرب كما فصل في الكَشَّاف.
قوله: (فإنه قال:(تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي يكون أحد الأمرين إما
المقاتلة أو الْإسْلَام لا غير) أي كلمة (أو) لأحد الأمرين ومآله التقسيم لا للشك والتشكيك.
قوله: لا غير. أي لا يقبل منهم الجزية، ثم قيل هذه الْجُمْلَة جملة مُسْتَأْنَفَة اسْتئْنَافًا بيانيًا كأنه
قيل: أي شيء يعاملهم، أو حال من قوم لإخراج من عداهم وهو أهل الْكتَاب بالاتفاق
ومشركي العجم عندنا. وقيل لا وجه للوصفية لأنهم دعوا إلَى قتال قوم لا أنهم دعوا إلَى
قتال قوم مَوْصُوفين بالمقاتلة أو الْإسْلَام. قيل: وحاصله أن الْمَعْنَى فاسد عَلَى الوصفية لأنه لا
يفيد أن دعوتهم للقتال وهو المقصود انتهى. وهذا البيان يقتضي عدم جواز الحالية، فالأَولى
الاكتفاء بالاسْتئْنَافية، لكن الظَّاهر أن الْمَعْنَى يجب عليكم أن تقاتلوهم إلَى أن يسلموا فحِينَئِذٍ
لا كلام في حسن الوصفية ويؤيده ما قاله الفاضل المحشي، وفيه تأمل فإنه يجوز أن يجعل
مع ما عطف عليه صفة مخصصة انتهى. فلا [يتم] أنه لا يفيد أن دعوتهم للقتال، وبهذا البيان
يظهر حسن الحالية، وقد عرفت أنهم فعلوا ذلك فهو خبر عن أمر واقع حيث إن أبا بكر
-رضي الله تَعَالَى عنه - قاتلهم والمتخلفون معهم وإن كان بعض منهم حاضرين دون البعض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو الْمُشْركينَ. يعني الْمُرَاد من(أولي
بأس شديد)بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الَّذينَ حاربهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه لأن
مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الْإسْلَام أو السيف عند أبي حنيفة رحمه اللَّه،
ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الْكتَاب والمجوس يقبل منهم الجزية. وعند الشافعي لا يقبل
الجزية إلا من أهل الْكتَاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب كما دل عليه قراءة (أو يسلموا)
وجه الدلالة أن معناه إلَى أن يسلموا.