قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلَى الَّذينَ يُبَدّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَميعٌ عَليمٌ(181)
قوله: (غيره من الأوصياء والشهود) بيان لمن ولفظة (أَوْ) لمنع الخلو فيه إشَارَة إلَى
أن الموصي يَنْبَغي أن ينصب وصيًا مختارًا من أهل الصَّلَاح وأن يشهد شهودًا عدولًا ولا
يبعد أن يقال إنه مُسْتَفَاد من الآية الكريمة بطَريق الإشَارَة أو بدلالة النص لكنه ليس
بشرط لصحة الوصية بل لسهولة تنفيذها، والضَّمير راجع إلَى الوصية بتأويل أن يوصي أو
الإيصاء كما مَرَّ.
قوله: (وصل إليه وتحقق عنده) فسر السماع بالوصول تنبيهًا عَلَى أن سماع الوصي
من الموصي ليس بشرط بل الشرط الوصول إليه وعلمه يقينا سواء كان بالسماع من
الموصي أو بطَريق أخرى، وأما سماع الشهود من الموصي فشرط إلا في صورة نقل الشَّهَادَة.
وبالْجُمْلَة حمل السماع عَلَى عموم الْمَجَاز وهو التحقق والوصول بالنسبة إلَى الموصي.
قوله: (فما إثم الإيصاء المغير) لما أرجع الضَّمير إلَى الايصاء لئلا يلزم تفكيك
الضَّمير وليس له إثم بل ثواب قيده بالمغير للتنبيه عَلَى أن الإثم يترتب عَلَى [التغيير] لأن
الحكم عَلَى المقيد راجع إلَى قيده في الأكثر.
قوله: (أو التبديل) فحِينَئِذٍ يلزم تفكيك الضَّمير ولا ضير فيه عند ظهور الْمُرَاد قدم
الأول لخلوه عن التفكيك ولكون مآله راجعًا إلَى الثاني بلا لزوم التفكيك، فإن الإثم كما
عرفت راجع إلَى القيد وهو التغيير وهو التبديل هنا.
قوله: (لا عَلَى مبدّله لأنه الذي خاف أو خالف الشرع) لا عَلَى الموصي فقوله عَلَى
الَّذينَ يبدلونه من باب وضع المظهر مَوْضع المضمر للتسجيل عَلَى قبحه وكمال شناعته
وللدلالة عَلَى علية التبديل للإثم، ثم التبديل أعم من تنفيذ الوصية لا عَلَى الوجه الذي بينه
الموصي ومن عدم تنفيذها رأسًا، ففي التبديل أَيْضًا عموم الْمَجَاز وهو عدم تنفيذها عَلَى
الوجه المشروع.
قوله: (وعيد للمبدل) والمغير من الةصي والشاهد؛ لأن سمع أقوالهم وعلم أحوالهم
ونياتهم يستلزم المؤاخذة في صورة الجناية، كما يستلزم الإثابة في صورة الوفاء.
قوله: (بِغَيْرِ حَقٍّ) مُسْتَفَاد مما بعده فإنه يدل عَلَى أن التبديل بحق لا إثم فيه، فالْمُرَاد
هنا التبديل بغير حق، وصيغة الجمع في الَّذينَ يبدلونه باعْتبَار معنى من للإشعار بتعذر
المبدلين أفرادًا؛ إذ الاستقامة في هذا الباب نادر من ذوي الألباب والْقَوْل بأنه إنما جمع هنا
لأن التبديل إنما يتقرر بالاتفاق فإن الوصي إنما يقدر عَلَى التبديل بمساعدة الشهود ولو
بالسكوت ضعيف. أما أولًا فلأنه يحتاج إلَى ارْتكَاب الْمَجَاز في الإسناد إليهم؛ إذ إسناد
التبديل إلَى الشهود مع أنه فعل الوصي مجاز لرضائهم وإسناده إلَى الوصي حَقيقَة فيلزم
الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز أو عموم المجاز، وأما ثانيًا فلأن الوصي قد يستقل في التبديل
ولو لم يساعده الشهود؛ لكونه من أهل الجاه وعدم خوف الله تَعَالَى.