رأيه من إبطال آلهتنا فليس لنا من الأمر شيء إلا الصبر عَلَى عبادة آلهتنا والثبات عليها
فاصبروا وداوموا عَلَى الثبات عليها، فعلم من هذا البيان أن قوله (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) تعليل
للأمر بالصبر وريب الزمان إنما ذكروه لأنهم أسندوا الحوادث والوقائع إلَى الدهر، ولذا ورد
"لا تسبوا الدهر فإنَّ اللَّهَ هُوَ الدهر"أي خالق الدهر .
قوله:(أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة، والترفع على العرب
والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد)أو أن هذا الذي يدعيه الخ. وجه ثان. قوله يتمنى
ويريده الخ. فهذا الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ من جملة ما يريد ذلك والظَّاهر أن مرادهم لا يسأل ما
يتمناه [أو يريده] .
قوله: (أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه) أو أن دينكم الخ. أي
المشار إليه في هذا الوجه دينهم، وفي الوجه السابق ما وقع من أمر النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وفي
الوجه الأول نفي آلهتهم قدم الأول لأن مساسه بما قبله أظهر وكذا الثاني، والوجه الثالث هو
المنفهم من دعوى الرسالة، والوجه الرابع كَذَلكَ مفهوم من دعوى التوحيد. قوله ليؤخذ أي
لينتزع منكم ويطرح بقرينة ما سبق من إبطال عبادة غيره تَعَالَى، ولم يذكر أن هذا الأمر لشيء
يريده الله تَعَالَى ويحكم بإمضائه، وما أراد الله كونه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر عَلَى
عبادة الآلهة للاكتفاء بالوجه الأول لأن العادة إسناد الحوادث التي تقع عَلَى خلاف مراد
النَّاس إلَى الدهر والزمان لا سيما في الجاهلية .
قَوْلُه تَعَالَى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ(7)
قوله: (بالذي يقوله) مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو التوحيد بقرينة قوله فإن النصارى يثلثون .
قوله:(في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى عليه الصلاة والسلام التي هي آخر
الملل فإن النصارى يثلثون)في الملة التي الخ. فالْآخرَة بمعنى المغايرة. قوله أو في ملة
عيسى الخ. فالْآخرَة بمعنى الآخر، كَمَا صَرَّحَ به وكونه آخر الملل عَلَى زعمهم. قوله يثلثون أن
يجعلون الآلهة ثلاثة وهذا قول بعضهم .
قوله: (ويجوز أن يكون حالًا من هذا) فيكون ظرفًا مستقرًّا وعلى الأول ظرف لغو
متعلق بـ سمعنا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويجوز أن يكون حالًا من هذا، عَلَى أن هذا إشَارَة إلَى التوحيد والظَّرْف متعلق
بمَحْذُوف بخلاف الوَجْهَيْن الأولين فإن الظَّرْف فيهما متعلق بـ سمعنا. قوله ولا الكُهان بضم الكاف
وتشديد الهاء جمع كاهن أي ما سمعنا بالتوحيد من أهل الْكتَاب ولا من الكُهان كائنًا ذلك التوحيد
في الملة الْآخرَة أي في الملة المتجددة المترقبة من بعد، وهي ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي ما أخبرنا
أهل الْكتَاب ولا الكُهان أنه سيتجدد ملة يكون فيها التوحيد، وإنما لم يحمل عَلَى الحال في
الوَجْهَيْن الأولين لأنهم زعموا أن ليس في ملة عيسى ولا في ملة آبائهم التوحيد، وحمله عَلَى الحال
يشعر بأن فيهما توحيدًا لكنا ما سمعناه. وجه الإشعار أن الْمُرَاد في الأولين نفي كينونته رأسًا فتوكل