قوله:(أي إن لم تؤمنوا وهو وعيد وبيان للداعي إلَى عبادته واليوم يَوْم الْقيَامَة أو
نزول الطوفان)ولم يقدر إن لم تعبدوا لأن الإيمان أصل لا يعتد العمل بدونه، وأمَّا الإيمان
المعتد به فمعتبر بدون العمل .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(60)
قوله: (أي الأَشراف فإنهم يملؤون العيون رواء) إشَارَة إلَى أن الملأ جماعة يجتمعون
للتشاور لكن لا مُطْلَقًا بل من الأشراف يملؤون أعين النَّاس للمهابة وكثرة الأتباع لا واحد
له من لفظه كالقوم، ومِنْ لِلتَّبْعِيضِ. قوله رواء بالراء المهملة والمد حسن المنظر والجمال
(زوال عن الحق بين) .
لّوله تَعَالَى: (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ(61)
قوله: (أي شيء من الضلال بالغ في النفي كما بالغوا في الْإثْبَات وعرض لهم به) نبه
به عَلَى أن الضلالة أبلغ من الضلال، ونقل عن المثل السائر أن الأسماء المفردة الواقعة عَلَى
الجنس التي يفرق بينها وبين واحدها بالتاء متى أريد النفي كان اسْتعْمَال واحدها أبلغ، ومتى
أريد الْإثْبَات كان اسْتعْمَالها أبلغ كما في هذه الآية. وليس الضلالة مصدرًا كالضلال بل هي
عبارة عن المرة الواحدة فإذا نفى نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ عن نفسه مرة واحدة من الضلال فقد
نفى فوق ذلك بطريق الأولوية والاعتراض بأنه يصح أن يقال ما عندي ثمرة واحدة وعندي
ثمرة واحدة فمدفوع بأنه إن سلم صحة ذلك بدون اعتبار لطيف وقرينة قوية فلا يضرنا لأن
قَوْلُه تَعَالَى: (ولكني رسول) الآية. قرينة قوية كنارٍ عَلَى علم عَلَى أن
الْمُرَاد نفي أدنى ما يطلق عليه الضلال وهذا هُوَ الْمُرَاد بالنفي المرة الواحدة وصحة هذا
الْمَعْنَى لنفي المرة لا سيما بمعونة القرينة مما لا مجال للإنكار وإن صح إرادة ما ذكره
المعترض منه بالقرينة أيضًا كما بالغوا في الْإثْبَات حيث جعلوا الضلال ظرفًا له والتَّأْكيد بـ إن
ولتعريض منفهم من تقديم الجار المفيد للقصر فيفهم إثبات الضلال لهم .
قوله: (استدراك باعْتبَار ما يلزمه وهو كونه عَلَى هدى كأنه قال ولكني عَلَى هدى في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنهم يملؤون العيون رواء. بيان لوجه تسمية الأشراف بالملأ .
قوله: [أي شيء من الضلال] معنى القلة مستفاد من تنكير ضلال .
قوله: بالغ في النفي. أي في نفي الضلال عن نفسه حيث نفى قليلًا من الضلال فَكَيْفَ عن
الكثير كما بالغوا في الْإثْبَات حَيْثُ وصفوا الضلال بالإبانة والظهور قَالُوا: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) .
قوله: وعرض لهم عطف عَلَى بالغ. أي بالغ في النفي في قوله: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ)
وعرض به لهم بتَخْصيص نفي الضلال بنفسه بتقديم الجار عَلَى ضلالة دلالة عَلَى
أن انتفاء الضلالة مَخْصُوص به لا يتعداه إلَى قومه فأفاد أن الضلالة ليست بي بل إنما هي بكم .
قوله: استدراك باعْتبَار ما يلزمه أي قوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .