حملته ورواته لم يقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي فإذا أنكروه تهكم بهم
وقيل لهم قد علمتم يا مكابرون أنه لم يكن مشاهدًا لمن مضى من القرون الخالية انتهى. أي
قد علمتم ذلك فإذا أنكرتم لما أخبركم به فكأنكم أنكرتم عدم مشاهدته لهم فهذا [إنكار]
جلي البديهيات والمص لم يتعرض لبيان التهكم فإنه لا يَنْبَغي لشأن التنزيل ما دام المساغ
الى غيره وهو كون الْمُرَاد هنا إثبات النبوة ودفع شبههم بما هُوَ ثابت عندهم بحَيْثُ لا
مجال لإنكارهم ولزوم التهكم غير التزامه .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)
قوله: (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ) لما بين تَعَالَى أن النبأ الْمَذْكُور من جملة المغيبات وإنه
معجزة من المعجزات ومع ذلك أكثر النَّاس لا يُؤْمنُونَ أخبر أن ذلك لعنادهم ولفساد
استعدادهم فلا يغنيهم النذر والآيات فلا تحزن، وإنَّمَا عليك البلاغ وقد أديت بأبهر الْبَيّنَات .
قوله: (ولو حرصت) حرص من باب علم وضرب وكلاهما لغة فصيحة واختير هنا
من باب ضرب وجملة ولو حرصت معترضة بين المبتدأ والخبر لإفادة أن حرصك عَلَى
إيمانهم لا ينفع من هُوَ مختوم الْقُلُوب ومنبع العيوب ولأن الهداية بيد الله يؤتيه مَنْ يَشَاءُ .
قوله: (عَلَى إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم) إشَارَة إلَى معنى الحرص هنا
وإنه ليس بمجرد فرط الرغبة بل مع إظهار المعجزات الداعية إلَى الإيمان وفي الكَشَّاف
وعن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أراد أهل مكة والمص سكت عنه ميلًا إلَى العموم كقوله:
(ولكن أكثر النَّاس لا يُؤْمنُونَ) فيدخل أهل مكة دخولًا أوليًّا. قيل: روي أن
الْيَهُود وقريشًا لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يُوسُف وعدوا أن يسلموا فلما أخبرهم
موافقة التَّوْرَاة فلم يسلموا حزن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقيل له ذلك انتهى. وهذا مؤيد للعموم
أيضًا، ولا يخفى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كما لم يكن حاضرًا حين عزمهم ومكرهم كَذَلكَ لم يحضر
في سائر القصص أَيْضًا لكن العزم الْمَذْكُور والمكر المزبور لما كانا أصل الفتنة ومبدأ البلية
خصا بالذكر، وَأَيْضًا لما كان قبحهما أشنع وضرهما أكثر اكتفى بذكرهما، وأما في سورة [هُود]
فلا يوجد موجب التَّخْصِيص ولذا قيل (ما كتب تعلمها أنت ولا قومك) الآية.
(لعنادهم وتصميمهم عَلَى الكفر) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ(104)
قوله: (أي عَلَى الأنباء) الدال عَلَى الصدق والصفاء قدمه لكونه أقرب ذكرًا .
قوله: (أو عَلَى الْقُرْآن) أي عَلَى تبليغه وبيان أحكامه أو عَلَى تلاوته أو عَلَى نفسه مُبَالَغَة .
قوله: (من جعل كما يفعله حملة الأخبار) وأجرة حتى من غرامة الأجرة زهدوا في
اتباعك فما بالهم (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) . فالْمُرَاد
توبيخهم وتقبيح شأنهم .