الرؤية والانتفاء بالنظر إلَى الْفَاعل كأنه قيل قد انقضى هذا الأمر وإنك ما رأيته ولو رأيته
لرأيت أمرا عجيبًا، كذا في المطول في حل قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إذْ وُقفُوا عَلَى النَّار)
الآية. فمدخول لو قطعي الانتفاء بهذا التأويل فلا إشكال فيه وفي أمثاله بأن
لو مدخوله قطعي الانتفاء وهنا مقطوع الثبوت فلو قال ولو رأيت ذلك بصيغَة الْمَاضي كقوله
في الْجَوَاب لرأيت لكان أحسن وهذا التأويل يمكن جريانه في القراءة الأولى أي قد انقضى
هذا الأمر ولكنهم أي الظَّالمينَ ما رأوه ولو رأوه لرأوهم أمرًا عظيما ويمكن أن يكون مراده
حمل لو عَلَى معنى إن كما مَرَّ لكن قوله لرأيت ظَاهر في التأويل الْمَذْكُور والخطاب يحتمل
أن يكون لكل مخاطب ممن يصح الرؤية منه واكتفى به لأن خطابه صلى الله تَعَالَى عليه
وسلم خطاب لأمته ثم قيل: قوله أي ولو ترى إشَارَة إلَى أن الرؤية حِينَئِذٍ بصرية متعد إلَى
مَفْعُول واحد وهو الَّذينَ ظلموا والظَّرْف أي إذ يرون بدل منه ( [إذْ] تَبَرَّأَ الَّذينَ اتُّبعُوا)
مَفْعُول من حيث الْمَعْنَى وسبب لترتب الْجَزَاء ( [أَنَّ] الْقُوَّةَ للَّه جَميعًا) في قوة التعليل
للجواب المقدر كما هُوَ في قراءة الكسر عَلَى الاسْتئْنَاف وساغ الفصل بين البدل
والمبدل منه بالْجَوَاب ومتعلقه والْجَوَاب لرأيت أمرًا عظيمًا ومتعلقه أن الْقُوَّة للَّه الخ.
والْمُرَاد بالبدل هُوَ إذ تبرأ والمبدل منه إذ يرون، والْكَلَام في قراءة الخطاب، وإنما ساغ
الفصل لطول ذيل البدل.
قوله: (وكذا(وَأَنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعَذَاب) على الاسْتئْنَاف) قرئ بالكسر
على الاسْتئْنَاف عَلَى الابتداء غير متعلق بما قبله لفظًا، وإن كان متعلقًا به معنى لأنه في
معرض التعليل فالْمُرَاد بالاسْتئْنَاف نحوي.
قوله: (أو إضمار الْقَوْل) أي لقلت إن الْقُوَّة للَّه الخ. عَلَى أنه جواب وَأَنَّ اللَّهَ شَديدُ
[الْعَذَاب] عطف عليه في قراءة الفتح فيكون في معرض التعليل للجواب الْمَحْذُوف، وفي قراءة
الكسر أَيْضًا فيكون مقولًا للْقَوْل المقدر، وفَائدَة العطف المُبَالَغَة في تهويل الخطب وتفظيع
الأمر فإن الجمع بين اخْتصَاص الْقُوَّة به تَعَالَى وشدة عذابه يوجب من التهديد ما لا يوجب
ذكر كل واحد وحده ولا يفيد هذا الجمع عدم ترك العقاب، ولهذا قال في سورة حم الْمُؤْمن
الطول الفضل بترك العقاب المستحق مع أنه مذكور بعد قوله شديد العقاب.
قَوْلُه تَعَالَى: (إذْ تَبَرَّأَ الَّذينَ اتُّبعُوا منَ الَّذينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بهمُ
الْأَسْبابُ (166)
قوله: (بدل من إذ يرون أي إذ تبرأ المتبوعون من الأتباع) يفهم منه أنه لم يرض كون
إذ يرون بدلًا من الَّذينَ ظلموا؛ إذ البدل من البدل لا يجوز فما قاله النحرير التفتازاني ويَنْبَغي
أن يكون إذ يرون بدلًا منه أي من الَّذينَ ظلموا عَلَى قراءة الخطاب (وَأَنَّ الْقُوَّة للَّه) بدلا