شهبًا [وملؤها شهبًا مثل ملؤها] حرسًا محل تردد، فالأَولى جعلها من قبيل: علفتها تبنًا وماء
باردًا. أي فوجدناها مصحوبة بالشهب ونحوه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(9)
قوله:(مقاعد خالية عن الحرس والشهب، أو صالحة للترصد والاستماع، ولِلسَّمْعِ صلة
لـ نَقْعُدُ أو صفة لـ مَقاعِدَ)مقاعد خالية عن الحرس هذا مأخوذ من المقابلة وضمير منها راجع
إلى السماء حال من مقاعد قدمت عليها للاهتمام. قوله أو صالحة الخ. وهذه الصَّلَاحِيَّة
بخلوها عن الحرس والشهب وقربها منَ السَّمَاء فهو أخص من الأول، ولو اعتبر القرب من
السماء يكون مآلهما واحدًا فيكون ترديدًا في العبارة والاستماع إشَارَة إلَى أن السمع هنا
بمعنى الاستماع لقولهم: (فمن يستمع الآن) قوله صلة لـ نقعد وبيان لغايته.
قوله: أو صفة لمقاعد وفيه بُعد؛ إذ لا مقاعد في جو الهواء ولا في السَّمَاء مقاعد كائنة
للاستماع إلا بجعلهم مقاعد فـ [حِينَئِذٍ] لا يلائم كون السمع صفة لها، فالأول هُوَ المعول وفيه
إشعار بأنه لا رجم [للشهب] قبل مبعثه عَلَيْهِ السَّلَامُ كما يؤيده قوله: (فمن يستمع الآن)
الآية؛ إذ الآن كالنص فيه، لكن قَالُوا الصحيح أنه قبله كما ورد في الأحاديث.
وقولهم (ملئت) يشعر بذلك أي كمال الرجم والمنع التام عن السماء حدث بعد مبعثه عليه
السلام، وأما قبله فمتحقق وقتًا دون وقت. وجه المنع التام عن استراقه بعد البعثة لئلا يشتبه
قول الرَّسُول فإنهم استرقوا السمع وأخبروا الكهنة مع الأكاذيب الباطلة فمنعوا رأسًا دفعًا
للوسوسة والريبة. والفاء في (فمن يستمع الآن) الخ. للسببية فإن الْجُمْلَة الأُولى
إخبارها سبب لإخبار هذه الْجُمْلَة.
قوله: (أي شهابًا راصدًا له أو لأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم) راصدًا له أي لمن
قصد الاستماع، وذلك لأنه لما كان الشهاب معدًا له صار كأنه راصد له ليهلكه. قوله أو
لأجله عطف تفسير له فيكون (رصدًا) [مجازًا] أوليًا، أو [محمولًا] عَلَى التشبيه فإن كونه معدًا له
شبه بالراصد بالْفعْل. قوله يمنعه عن الاستماع فقولهم: (يستمع الآن) مجاز
على إرادة الاستماع.
قوله:(أو ذوي شهاب راصدين عَلَى أنه اسم جمع للراصد، وقد مَرَّ بيان ذلك في
«الصافات» )أو ذوي شهاب بتقدير الْمُضَاف وهم الْمَلَائكَة ولذا قال راصدين فالرصد [حِينَئِذٍ]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: رشدًا أي خيرًا. لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قَالُوا ما هذا إلا
[لأمر] أراده الله بأهل الْأَرْض ولا يخلو من أن يكون شرًا أو رشدًا. أي خيرا من عذاب أو رحمة.
قال صاحب الانتصاف: ومن عقائد الجن أن الهدى والضلال جَميعًا من خلق الله تَعَالَى فتأدبوا بنسبة
الرشاد إليه تَعَالَى وجعلوا الشر مضمر الْفَاعل فجمعوا بين حسن الاعتقاد والأدب الحسن. تم كلامه.
ومثله قَوْلُه تَعَالَى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) حيث نسب الإنعام إليه
تَعَالَى صريحًا وأخفى نسبة الغضب إليه عز وجل حيث لم يقل غير الذي غضبت عليهم.