من شعب البلاغة؛ إذ المآل واحد غاية الأمر أنهما متغايران اعتبارًا فإنه من حيث إنه
مصروف عن وجهه إفك ومن حَيْثُ إنه يجعل المبهوت عليه متحيرًا بهتان وقيد هنا بالعظيم
لملاحظة المبهوت عليه وهو عظيم بالنسبة إليه كما سيجيء، وأما ما سبق لما لوحظ فيه عن
كونه معروفًا عن طريقه قيده بالمبين أي الظَّاهر ظهورًا باهرًا.
قوله: (لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها) تعرض
حقارة الذنوب إتمامًا للكلام وتَحْصيلًا للمرام وعظمها باعْتبَار متعلقاتها كما يكون ذلك
باعْتبَار فاعليها وباعْتبَارها في أنفسها فلا إشكال لعدم الحصر ولا قصده.
توكله تَعَالَى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(17)
قوله: (يعظكم الله) الوعظ قول زاجر ومرغب واخْتيرَ صيغة الْمُضَارِع لقصد الاسْتمْرَار
والْمَعْنَى يعظكم الله بهذه المواعظ التي تزجركم عن العود إلَى مثله وحسن الظن بالْمُسْلمينَ
وعدم التَّكَلُّم بمثل هذا الإفك المبين وغير ذلك من الإشارات العلية والتلويحات السنية.
قوله: (كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا) ولما كان هذا مَفْعُولًا له مع أن الوعظ
ليس لأجل العود بل لعدمه قدر مضافًا وهو الكراهة أي عدم الرضاء، ثم أَشَارَ إلَى أنه لا
حاجة إلَى تقدير الكراهة بل كلمة في مَحْذُوف لأن حذف الجار في أن قياسي. والْمَعْنَى
يعظكم الله في أن تعودوا أي في شأن أن تعودوا وما فيه من الوزر العظيم وهذا شائع
في لفظة في كقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إن امرأة عذبت في هرة"أي في شأن هرة وهو حبسها
الخ. وفيه نوع تكلف، فالأولى إنه متعلق بـ يعظكم بتقدير من لأن الوعظ هُوَ الزجر أو
يتضمن الزجر. أي يزجركم من أن تعودوا والظَّاهر أن الخطاب شامل لجميع الْمُؤْمنينَ
ففي تعودوا تَغْليب حِينَئِذٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لعظمة المبهوت عليه وهو الإفك الْمَذْكُور، وهو متعلق بالبهتان فوصف البهتان بالعظمة
لكون متعلقه أمرًا عظيمًا في الشناعة والقبح. قوله فإن حقارة الذنوب وعظمها باعْتبَار متعلقاتها. أي
فإن حقارة الذنوب التي هي أفعال وعظمها إنما يكونان باعْتبَار ما تتعلق هي بها من المفاعيل فإن
الْفعْل يعد حقيرًا إذا كان مَفْعُوله حقيرًا وعظيمًا إذا كان الْمَفْعُول عظيمًا.
قوله: كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا. يعني أن أن مع الْفعْل أعني أن [تعودوا] في محل
النصب عَلَى أنه مَفْعُول له لـ يعظكم عَلَى حذف الْمُضَاف أو عَلَى نزع الخافض أو في محل الجر
بتقدير الجار نحو: اللهِ لأفعلن بالجر. قال أبو البقاء: حذف حرف الجر حملًا عَلَى معنى يعظكم أي
يزجركم عن العود يقال عاده وعاد له وعاد إليه وعاد فيه بمعنى. وعاد له في هذه الآية بمعنى إعادة
الحالة الأولى، وقد يستعمل العود في ابتداء الشوع في الشيء قال الله تَعَالَى:(ما يكون لنا أن
نعود فيها)أي أن نشرع فيها.