الضَّمير فلا حاجة إلَى أن يقال واخْتلَاف مرجع الضمائر لا يَخْتَصُّ بلغة العرب، وأَيْضًا لا
يحتاج إلَى الاعتذار بأن الكذب جائز لدفع الضرر مع أنها غير معصومة لأن في
المعاريض لمندوحة عن الكذب. قوله يبكي ظاهره يبكي لطلب اللَّبَن وحقيقته أنه يبكي
على وقوعه في يد كافر، ولا بُعد في أن فرعون هلك في يده عَلَى الكفر وهذا دأب
المقربين حيث ترحموا عَلَى الأعداء .
قوله:(فقال لها: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح
طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها)فقال لها من أنت منه لفظة من اتصالية
بمعنى من أنت في القرب منه نسبًا؟ فقالت - رضي الله تَعَالَى عنها - بأسلوب الحكيم إني امرأة
الخ. ولم تتعرض بيان قربه نفيًا وإثباتًا ولم يفهم ذلك الأحمق ما صنعته من البراعة والبلاغة
كأنها قالت السؤال الْمَذْكُور ليس بوظيفة لك وإنما السؤال ما شأنك قد التقم ثديك وقد أبى
كل ثدي؟ فنزلت سؤاله بمنزلة هذا السؤال فأجابت بما ذكرت وأفحمت وألزمت .
قوله: (وأجرى عليها، فرجعت به إلى بيتها من يومها ، وهو قوله تعالى:(فَرَدَدْناهُ إِلى
أُمِّهِ)وأجري أي أمره أن يجري عليها النفقة وإعطاء الأجرة عَلَى الإرضاع
فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، وهذا وإن خالف هنا في سورة طه حيث قيل فيها(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ
فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ [يَكْفُلُهُ] )وهذا يخالفه ما ذكر هنا لفظًا لكنه طبقه معنى
فالجمع هنا وصيغة التذكير للمُبَالَغَة في تفخيم أمه عَلَيْهِ السَّلَامُ وبيان فرط كماله حيث عدت
من زمرة الرجال الكاملين .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (13)
قوله: (فَرَدَدْناهُ) بولدها) أي فرجعناه كما قال في سورة طه:
(فرجعناك إلَى أمك) الآية. الفاء للفصيحة كما أسار إليه بقوله: فأمرها فرعون
بأن تأتي بمن يكفله إلَى أن قال وهو قَوْلُه تَعَالَى: (فرددناه) كي تقر
تفسير تقر قد مر في سورة مريم (بفراقه) .
قوله: (علم مشاهدة) بعد ما علمت علمًا يقينيًا بالبرهان فإذا ضمت إليه العلم بالعيان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو يعلله. قال الْجَوْهَريُّ: علله بالشيء أي لهاه به كما يعلل الصبي بشيء من الطعام
يجزئه به عن اللَّبَن.
قوله: فرجعت به إلَى بيتها من يومها وهو قوله: (فرددناه إلَى أمه كي تقر عينها)
بولدها وفي الكَشَّاف أنجز الله وعده في الرد فعندها ثبت واستقر في علمها أن
سيكون نبيًا وذلك أنه سبحانه وتَعَالَى وعدها بأمرين في قوله:(إنا رادوه إليك وجاعلوه من
الْمُرْسَلينَ)فعندما أنجز الوعد بأحد الأمرين تحقق عندها أن الأمر الآخر سيكون
فكان الرد علة لتحقق حصول الرسالة عندها وثبوت علمها بصدق وعد الله تعالى .