الأمر بطلب النعم مَجَازًا والرزق بمعنى النعم حَقيقَة؛ إذ هُوَ في العرف تَخْصيص الشيء
بالحيوان للانتفاع به وتمكينه منه والجامع بين المتعاطفين السببية؛ إذ الْأَرْض وكونها سهلة
سبب الرزق فالمشي في مناكبها أي جوانبها يكون سببًا لحصول الرزق.
قوله: (المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم) بالْجَزَاء خيرًا أو شرًّا نبه به
على مناسبته [لما] قبله، والواو ليست للعطف بل اسْتئْنَافية مسوقة للترغيب [في] الشكر
والترهيب [من] تركه.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(16)
قوله: (يعني الْمَلَائكَة الموكلين عَلَى تدبير هذا العالم) أي الْمُرَاد بـ (مَنْ) الْمَلَائكَة
وهو الظَّاهر لاستغنائه عن التمحل وإن إسناد الخسف إليهم حَقيقَة لكونهم كاسبين له
وعن هذا قدمه.
قوله: (أو الله تَعَالَى عَلَى تأويل مَنْ فِي السَّماءِ أمره أو قضاؤه) بتقدير الْمُضَاف أي
أَأَمِنْتُمْ مَن أمره أي ملكوته وسلطانه في السَّمَاء فحذف الْمُضَاف أو أقيم الْمُضَاف إليه مقامه
وكونه مَجَازًا عقليًا ليس بمناسب هنا.
قوله: (أو عَلَى زعم العرب فإنهم زعموا أنه تَعَالَى في السَّمَاء) فحِينَئِذٍ لا حاجة إلَى
تقدير الْمُضَاف بل قيل لهم عَلَى حسب اعتقادهم والمعنى: أَأَمِنْتُمْ مَن تزعمون أنه في السَّمَاء
وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بإرسال حاصب، وإيراد الْكَلَام عَلَى اعتقاد
المخاطب شائع في اسْتعْمَال الفصحاء، وإن لم يطابق [الواقع] ، لكن هذا ليس بمناسب هنا.
وعن هذا أخَّره. وادعى بعضهم أن تركه أولى من ذكره لأن بناء الْكَلَام عَلَى زعم بعض
الجهلة غير مناسب، لكن صاحب الكَشَّاف أَشَارَ إلَى دفع هذا الإشكال بقوله: وهو متعال عن
المكان فهو لإلزامهم وإسكات الخصم بما فيه عندهم شائع أوفى بالمرام.
قوله:(وعن ابن كثير من رواية قنبل «وامنتم» بقلب الهمزة الأُولى [واوًا لانضمام] ما
قبلها والبزي «وآمنتم» بقلب الثانية ألفًا وهو قراءة نافع وأبي عمرو ورويس) لانضمام ما قبلها
وهو ضم الراء. قوله لانضمام ما قبلها إشَارَة إلَى أن هذا القلب إذا لم يوقف عَلَى النشور.
قوله: (فيغيبكم فيها كما فعل بقارون) كون الفاء تفسيرية أولى من كونها تفريعية
إذ هذا التغييب عين الخسف في الخارج. وفي القاموس خسف الله بفلان الْأَرْض أي
غيبه. فالظَاهر أن الباء للتعدية. قال الرَّاغب: يقال خسفه الله وخسف هُوَ، قال تَعَالَى:
( [فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) ] ولذا قيل إن الباء للملابسة وقد أشار
الْمُصَنّف إلَى جواز كون الباء للسببية في سورة الإسراء فالاحتمالات الثلاثة ممكنة في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم. هو بيان لارتباط (وإليه النشور) بقوله:(وكلوا من
رزقه).