قوله: (لا تفوتونه طلبا) أي في طلبه وفي هربكم أو طالبين وهاربين أو مطلوبين
وهاربين ومعنى أعجزه قد مَرَّ بَيَانُهُ في سورة الأنفال في قَوْله تَعَالَى: (إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ)
(ولا تعجزونه هربا) .
قوله: (في الدُّنْيَا) قيده لكونه مقابلًا بعذاب الْآخرَة الْمَذْكُور بعده، وفي الكَشَّاف
وَقُرئَ (ورسوله) بالجر عَلَى الجواز. وقيل عَلَى القسم كقوله لعمرك. ويحكى
أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرؤها فقال إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء فلبسه الرجل
إلى عمر فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر - رضي الله تَعَالَى عنه - بتعلم العربية انتهى.
ولم يتعرض لها الْمُصَنّف لعدم جزالتها وإن نسبت هذه القراءة إلَى الحسن.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ
أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)
قوله: (استثناء من الْمُشْركينَ) أي من الْمُشْركينَ الْمَذْكُورين ثانيًا وأن الْمُرَاد بالبراءة
كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف البراءة من عهودهم لا من أنفسهم حتى يقال إن البراءة من الْمُشْركينَ
ثابتة لجمعهم سواء نكثوا أولم ينكثوا ولا شك أن الْمُشْركينَ المعاهدين الغير الناكثين لا
يكون الله تَعَالَى ورسوله بريئين من عهودهم وإن برأ الله ورسوله عن أنفسهم، ولا يخفى أن
هذا الْكَلَام ليس مسوقًا للبراءة عن ذواتهم الخبيثة وعلم من هذا الاستثناء أن الْمُشْركينَ
الأول مقيد بهذا الاستثناء ليكون الْمُرَاد بهما واحدًا فتَقْييد الثاني تَقْييد الأول.
قوله: (أو استدراك) أي استثناء منقطع والْمُسْتَثْنَى منه أَيْضًا الْمُشْركينَ لكن عَلَى تقدير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
التولي ليس بثابت عَلَى الأول حال الْإخْبَار وثابت عَلَى الثاني فالوجه أن يفسر التولي بثباته أي فإن
ثبتم عَلَى تواليكم السابق فاعلموا، وعلى الأول الْمَعْنَى فإن أحدثتم التولي عن التَّوْبَة.
قوله: لا تفوتونه طلبًا ولا تعجزونه هربًا ظلمًا وهربًا حالان الأول حال من ضمير الْمَفْعُول
في تفوتونه، والثاني من ضمير الْفَاعل في لا تعجزونه. والْمَعْنَى لا تسبقونه طالبًا لكم ولا تعجزونه
هاربين منه.
قوله: استثناء من الْمُشْركينَ أي من الْمُشْركينَ في قوله عز وجل:(أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ)فالاستثناء متصل لأن الْمُشْركينَ الثابتين عَلَى عهدهم داخلون في الأول
وهم من جنسهم لاشتراكهم في صفة الشرك.
قوله: أو استدراك، فعلى هذا الاستثناء منقطع بمعنى أن المعاهد ليس من جنس الناكث فـ إلا
بمعنى لكن ولذا قال ولكن الَّذينَ عاهدوا منهم أي من الْمُشْركينَ وصاحب الكَشَّاف جعله استثناء
من (فسيحوا) قَالُوا وجهه أن يكون مُسْتَثْنَى من قوله: (فسيحوا في الْأَرْض)
لأن الْكَلَام خطاب للمسلمين ومعناه براءة من الله ورسوله إلَى الَّذينَ عاهدتم من
الْمُشْركينَ فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقضوا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ. تم كلامه.
يلوح من قوله وجهه أن فيه توجيهًا آخر غير مرضي وهُوَ أن يكون إلا الَّذينَ عاهدتم استثناء من
الْمُشْركينَ لكنه يوجب أن لا يكون الله ورسوله بريئان من هَؤُلَاء الْمُشْركينَ الَّذينَ لم ينقصوا