بختار مُبَالَغَة من حَيْثُ المادة والهيئة وهو مقابل للصبار لأن من غدر لم يتعب نفسه
بالتأمل الصائب والفكر الثاقب فلم يكن صابرًا فضلًا عن صبار أو شكور مقابله الكفور
وعلم وجه تقديم ختار عَلَى كفور، والْمُرَاد كفور بالنعمة مسوق للذم بكفران أثر الذم
بالكفر باللَّه وصفاته .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ
عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
قوله:(لاَ يقضي عنه، وقرئ «لا يجزئ» من أجزأ إذا أغنى والراجع إلى الموصوف
محذوف أي لا يجزى فيه)من أجزأ إذا أغنى، فالْمَعْنَى [حِينَئِذٍ] لا يغني عنه والمآل واحد. قوله أي
لا [يجزى] فيه ومن لم يجوز حذف العائد المجرور بقول اتسع فيه فحذف عنه الجار
وأجري مجرى الْمَفْعُول به ثم حذف. قوله أي لا يجزئ بفتح الياء بناء عَلَى ما اختاره من
قراءة يجزي من جزى بمعنى قضى ويعرف حال يُجزى بضم الياء .
قوله: (عطف عَلَى والد) أعيد (لا) تنبيهًا عَلَى استقلاله في النفي .
قوله: (أو مبتدأً خبره هُوَ جاز عن والده شَيْئًا ، فـ [حِينَئِذٍ] تكون الواو ابتدائية والعطف أولى
ولذا قدمه. قوله خبره هُوَ جاز أي جملة هُوَ جار وعلى الأول الْجُمْلَة صفة لـ مولود بمعنى هُوَ
جاز في الدُّنْيَا أي مع كونه جاز في الدُّنْيَا بالإحسان والإعانة في كل وقت وأوان لكونه
مأمورًا به لا يجزي ولا يقدر أن يجزئ عنه بالشفاعة أو بالفدية فضلًا بالنصرة ودفع
العذاب عنه قهرًا فتكون الصّفَة بيانًا للعادة فلا مفهوم اتفاقًا بأن المولود الذي ليس بجازٍ في
الدُّنْيَا فهو يجزي في الْآخرَة، ولما كان الْجَزَاء المثبت في الدُّنْيَا والمنفي في الْآخرَة فلا
يتوهم المنافاة، ولما كان الْجَزَاء في الدُّنْيَا موجودًا بالنظر إلَى النوع وفي الْآخرَة متوقعًا عبر
بالْمُضَارِع في جزاء الْآخرَة وباسم الْفَاعل في جزاء الدُّنْيَا، وأما التَّعْبير باسم الْفَاعل في كون
لا مولود مبتدأ فللدلالة عَلَى الثبات عَلَى ما سيجيء بيانه .
قوله: (وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتغيير النظم للدلالة عَلَى أن المولود أولى بأن لا يجزي. يعني مقتضى الظَّاهر النظم أن
يجيء الْمَعْطُوف عَلَى سنن الْمَعْطُوف عليه ويقال ولا يجزي ولد عن والده، لكن عدل عنه وغير
النظم عن سننه غير يجزى إلَى جاز والولد إلَى مولود، وجيء بالضَّمير وهو لفظة هُوَ وجيء بلفظ
شيئاً للتوكيد والمُبَالَغَة لكون الْجُمْلَة في الْمَعْطُوف اسمية ولتكرر الإسناد بمجيء لفظ هُوَ
ولدلالة اسم الْفَاعل الذي هُوَ لفظ جاز عَلَى الثبات دون التجدد ولإنباء لفظ شيئاً عن معنى
القلة فأفاد الْمَعْطُوف لاشتماله عَلَى هذه الأمور المؤكدة أن المولود أولى بأن لا يجزي. وجه
التوكيد والمُبَالَغَة في الكل ظَاهر غير تغيير لفظ الولد إلَى لفظ المولود فبيانه أن في لفظ
المولود توكيدًا ليس في لفظ الولد لأن الولد يقع عَلَى الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه