قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَفيضُوا منْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحيمٌ (199)
قوله: (أي من عرفة لا من المزدلفة) أي من عرفة فكلمة حيث للمكان. فيه نوع توبيخ
لقريش في مخالفتهم سائر النَّاس بأنهم ليسوا من النَّاس الَّذينَ يتبعون لملة إبْرَاهيم عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أي من عرفة. اعلم أن في هذه الْإضَافَة المدلول عليها بقوله (ثُمَّ أَفيضُوا) قولين: الأول
أنها الإفاضة من المزدلفة أي إذا أفضتم من عرفات إلَى المزدلفة فاذْكُرُوا الله فيها ثُمَّ أَفيضُوا من
المزدلفة إلَى منى والإشكال في هذا الْقَوْل وهو الذي أشار إليه المص بعده بقوله: وقيل من المزدلفة.
والْقَوْل الثاني الإفاضة من عرفات فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بهذه الإفاضة ما دل عليه قوله(فإذا أفضتم من
عرفات)فجاء نوع إشكال في تصحيح معنى كلمة (ثُمَّ) ؛ إذ ظاهره توهم المغايرة بين الإفاضتين وهي
هي لا غيرها فاحتيج إلَى تأويل، وتأويله ما أشار إليه بقوله: وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين ونظره
بقول القائل أحسن إلَى النَّاس ثم لا تحسن إلَى غير كريم. أقول: فيه نظر؛ إذ ليس هنا حِينَئِذٍ إفاضتان
بل إفاضة واحدة، وكان الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لتفاوت ما بين الخبرين كما قَالَ الإمام: ثم هَاهُنَا كما في
قولك قد أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أصل كذا وفائدتها تأخير أحد الخبرين عن الآخر لا تأخير
هذا المخبر عنه عن ذلك. وقيل ثم هَاهُنَا كما في قَوْله تَعَالَى: (ثُمَّ كَانَ منَ الَّذينَ آمَنُوا) وهذا هو
الْمُرَاد من قول المص بأن الْمُرَاد بكلمة (ثُمَّ) التفاوت الرتبي لا الزماني. أما بيان كون ثم في هذه الآية
مثل ما في تلك الآية ما قيل إن الأمر بالإفاضة أعلى من الأول كأنه قيل فإذا أفضتم من عرفات
فاذْكُرُوا ثم ليكن إفاضتكم من حيث أفاض الكاملون من النَّاس، ومثله الصريح أحسن إلَى النَّاس ثم
ليكن إحسانك إلَى الكرام منهم، ويؤيده ما روى الإمام أن الْمُرَاد بالنَّاس إبْرَاهيم وإسْمَاعيل عليهما
السلام وإيقاع اسم الجنس عَلَى الواحد إذا كان رئيسًا يقتدى به جائز. قال صاحب الكَشَّاف فإن قلت:
فَكَيْفَ موقع ثم؟ قلت: نحو موقعها في قولك أحسن إلَى النَّاس ثم لا تحسن إلَى غير كريم تأتي بـ ثم
لتفاوت ما بين الإحسان إلَى الكريم والإحسان إلَى غيره، [وبُعد ما] بَيْنَهُمَا، فكَذَلكَ حين أمرهم بالذكر
عند الإفاضة من عرفات قال (ثُمَّ أَفيضُوا) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن [إحْدَاهُمَا] صواب والأخرى
خطأ. قيل فيه نظر لأن التفاوت إذا اعتبر فيما بين الإفاضة من عرفات وبين الإفاضة من مزدلفة فهي
غير مذكورة في التنزيل، فلا يصح العطف عليها بـ ثم، وأَيْضًا لا يقال بين الصواب والخطأ إنهما
متفاوتان في الرتبة لأنهما متباينان. وأُجيب بأن التفاوت هنا ليس في الرتبة بل في مجرد أن [إحْدَاهُمَا]
صواب والأخرى خطأ، ولما كان قوله (ثُمَّ أَفيضُوا منْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) مرادًا به
التعريض بقريش فكأنه قيل: لا تفيضوا مما لم يفض منه النَّاس وهو مزدلفة فإنه خطأ. معنى التعريض
أنه لم يجعل من أفاض من مزدلفة من جنس النَّاس فينطبق عليه المثال بقوله ولا تحسن إلَى غير
كريم؛ لأن الإحسان إليه خطأ، وصح قوله وإن [إحْدَاهُمَا] صواب أي الإفاصة من عرفات والثانية خطأ
أي الإفاضة من مزدلفة، وأما تطبيق الآية مع المثال فإن قوله(فَإذَا أَفَضْتُمْ[منْ
عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ]) في تأويل أفيضوا من عرفات يدل عليه قوله فيه دليل عَلَى
وجوب الوقوف بعرفة، وقوله (ثُمَّ أَفيضُوا [من حيث أفاض النَّاس] ) في تأويل لا
تفيضوا من مزدلفة عَلَى سبيل التعريض، ومعنى التعريض فيه أن النَّاس للجنس، والْمُرَاد به الْمُؤْمنُونَ
فدل عَلَى الْكَمَال فيكون تعريضا بقريش بأنهم لوا ناسًا، وإليه الإشَارَة بقوله ليكن إفاضتكم من
عرفات ولا يكن من المزدلفة.