على ظاهره ليس بكناية ولا بمعنى الذات، والْمُرَاد بالإقامة توجيهه للقبلة واللام للتعليل، والْمُرَاد
بالدين الصلاة إما مَجَازًا أو لكونها من أفراده، ولا يخفى ما في هذا الوجه ؛ إذ كون الإقامة بمعنى
توجيهه للقبلة ليس بواضح ؛ إذ الظَّاهر مجازي والعلاقة بينه وبين الْمَعْنَى الحقيقي غير ظاهرة، وأيضا
كون الدين بمعنى الصلاة ولو مَجَازًا غير مُتَعَارَف، ولعل لهذا أخَّره .
قوله: (حال من الدين أو الوجه) قدمه لقربه، ولأن هذا في غير هذا المَوْضع حال من
الدين والملة ولأن معنى حنيفًا كونه مائلًا عن الباطل أنسب بالدين ولا يناسب للوجه ولأن كونه
حالًا من الوجه يوجب كونه حنيفًا في وقت إقامته والظَّاهر كونه حنيفًا بعد الإقامة ،والظَّاهر أن
الحال مؤكدة عَلَى كلا الاحتمالين. والبعض جعل في الأول حالًا منتقلة وفي الثاني حالًا مؤكدة .
قوله تَعَالَى: (ولا تكونن من الْمُشْركينَ) عطف عَلَى أقم أي
وأمرت أن لا تكونن من الْمُشْركينَ، والْكَلَام فيه مثل الْكَلَام في (أقم) أشار الْمُصَنّف إلَى
العموم بقوله: سواء الخبر منها والطلب، والطلب يعم الأمر والنهي، وقد مَرَّ مرارا أن مثل هذا
من باب التهييج والتثبيت عَلَى عبادة الله تَعَالَى وعدم الالْتفَات إلَى سواه، أو نهي عنه آحاد
النَّاس بطَريق الكناية .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ
الظَّالِمِينَ (106)
قوله تَعَالَى ، (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) عطف عَلَى (لا تكونن)
تأكيد له كما أنه تأكيد لقوله: (فلا أعبد) قيل قوله:
(مِنْ دُونِ اللَّهِ) إشَارَة إلَى آخر درجات العارفين لأن ما سواه ممكن لا
ينفع ولا يضر و (كُلُّ شَيْءٍ هَالكٌ إلَّا وَجْهَهُ) فلا حكم ولا رجوع إلا
إليه في الدارين، ثم قال وليس طلب الشبع من الأكل والري من الشرب قادحًا في
الْإخْلَاص لأنه طلب انتفاع مما خلق الله له انتهى. والظَّاهر أن هذا وأمثاله نهي عن عبادة
الأصنام وقد عرفت أنه ليس المقصود نهيه عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه ليس بمتوقع منه صلى الله
تَعَالَى عليه وسلم بل المقصود تهييجه وتثبيته عَلَيْهِ السَّلَامُ، أو نهي غيره. وقوله ليس طلب
الشبع لا مساس له هنا فإن محله بحث التوكل مع أنه إن أراد الطلب بطَريق السببية فلا
طلب مِنْ دُونِ اللَّهِ، وإلا فهو طلب مِنْ دُونِ اللَّهِ. والحاصل إطلاق المقام عن مثل هذا
الْكَلَام أحسن لدى أولي الأفهام .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فإن له نوع إشعار إلَى جعل الوجه متوجهًا نحو الْقبْلَة، وذلك يكون غالبًا في الصلاة .
قوله: حال من الدين. الْمَعْنَى مائلًا عن الزيغ والبطلان من حنف أي مال. هذا عَلَى أن يكون
الْمُرَاد بالدين ما هُوَ أعم من الصلاة الشامل لها ولغيرها من الأفعال والتروك المأمور بها والمنهي
عنها. وقوله والوجه عَلَى أن الْمُرَاد بالدين الصلاة فقوله: (من الدين) والوجه
نشره عَلَى ترتيب اللف .