أبيه ما يرجعون به مرة أخرى فيفوت المقصود بلا تفريط منهم. وهذا الوجه الأخير لا يلائم
وعدهم بطلب أخيهم من أبيهم ولو كان هذا الاحتمال لاعتذروه ولقَالُوا نحن لا نستطيع
الرجوع مرة أخرى لفقدان ما يرجع به, وله وجه آخر مذكور أولى منه وهو أنه علم أن
ديانتهم تحملهم عَلَى رد البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها انتهى. فإذا رجعوا
رجعوا مع أخيهم من أبيهم فيحصل الغرض, وفيه أَيْضًا ما فيه ؛ إذ يمكن الإرسال والرد مع
الأمناء. وقيل لاحتمال أنه يقع قصدًا، ولا يخفى أنه من تتمة الْوُجُوه الذي ذكر في الكَشَّاف
وقيل لاحتمال أنه قصد التجربة .
قوله: (لعلهم يعرفون حق ردها) فمعرفة حق الرد ليس مجزومًا له عَلَيْهِ السَّلَامُ فلعله
باق عَلَى معنى الترجي لكن بتقدير مضاف أي حق الرد .
قوله: (أو لكي يعرفوها) أي لعل بمعنى كي للتعليل فلا حاجة إلَى التقدير .
قوله: (وفتحوا أوعيتهم) هذا ثابت بإشَارَة النص ؛ إذ المعرفة الْمَذْكُورة تتوقف عَلَى
الفتح الْمَذْكُور والانقلاب غير كاف فيها، ولك أن تقول: هذا القيد ثابت بدلالة النص .
قوله: (لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلَى الرجوع) أَشَارَ إلَى أن الترجي الثاني سبب
على الأول فيكون الْمَعْنَى لعل معرفتهم ذلك تكون سببًا إلَى رجوعهم مع أخيهم لكن اخْتيرَ
ما اخْتيرَ لظهور ما أري.د فلعل هنا باق عَلَى ظاهره غير محمول عَلَى معنى كي .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا
نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63)
قوله: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ) الفاء للتعقيب باعْتبَار جوابه فإن قولهم(يا أبانا منع ما
الكيل)سبب عن قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم) الآية.
فعلم أن هذا الْقَوْل مرتبط به وقوله: (وقال لفتيانه) كجملة معترضة ومثل هذا
كثير في النظم الجليل لا سيما في هذه السُّورَة الكريمة. قَالُوا قبل فتح متاعهم مسارعة إلَى إنجاز
وعدهم بمراودة أخيهم لاحتيالهم إن لم يساعد أبيهم بأنواع الحيل حتى عي له العلل .
قوله: (حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين) أول منع به ؛ إذ المنع في هذه المرة
لم يقع وبعد ذلك لا يعلم وقوعه بل الواقع الحكم بمنعه في الوقعة الأولى لكن لا مُطْلَقًا
بل بشرط عدم [الإتيان] ببنيامين، ولذا قال إن لم نذهب بنيامين والكل معلوم من السباق
والسياق ومن هذا قَالُوا: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ) فعدم الكيل مقيد بعدم
الإرسال وليس في الْكَلَام إهمال .
قوله: (نرفع المانع من الكيل أو نكتل ما نحتاج إليه) نرفع المانع قيل إنه جاء بآخر
الْجَوَابين ترتبًا دلالة عَلَى أولهما مُبَالَغَة، والأوفق لما قاله الْمُصَنّف أن هذا جواب الأمر أي
أن ترسل معنا أخانا نرفع المانع من الكيل وإذا رفعنا المانع نكتل بالْفعْل ما نحتاج إليه