السلام رسولا أمينًا يقتضي التأدية الْمَذْكُور بالمَعْنَيَيْن فهي علة لمية والمعلل في الْحَقيقَة
كون التأدية واجبة ولازمة لأن الإنشاء لا يعلل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(19)
قوله: (ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله عَلَيْهِ السَّلَامُ) لكن الْمُرَاد ليس ظاهره
بل الْمُرَاد استهانة وحيه ورسوله ففيه تجوز في النسبة. وحاصله وأن لا تعلو عليَّ كقول سليمان
(أَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ) الآية. لكن لما كان العلو عَلَى رسوله علوًّا عَلَى الله حكمًا
قيل وأن لا تعلوا عَلَى الله تعظيمًا للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ وتقدير الْمُضَاف يفوت المُبَالَغَة.
قوله: (وأنْ كالأولى في وجوهها) وأن أي لفظة أنْ كالأولى في الْوُجُوه أي في
احتمال كونها مصدرية ومخففة ومفسرة والبحث السابق مع جوابه جارٍ هنا وجواز دخول أن
المصدرية عَلَى الأمر والنهي مذهب البعض واختاره الشيخان في أكثر المواضع، فلا وجه
للاعتراض بمذهب من منعه.
قوله: (علة النهي) أي علة للخبر الذي يفهم من النهي علة لمية كما مَرَّ. والْمُضَارِع إما
باقٍ عَلَى معناه أو لحكاية الحال الْمَاضية أو للاسْتمْرَار.
قوله: (ولذكر الأمين مع الأداء) أي التأدية فالظَّاهر الأداء بتشديد الدال مصدر أدى أو
بالتخفيف أخذًا بالحاصل، أو الْمُرَاد اسم المصدر أداء بمعنى التأدية كالسلام بمعنى التسليم.
قوله: (والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى) أما الأول فلأن الأمانة يناسب الأداء
والسلطان أي الحجة القاهرة يناسب إبطال العلو. وقيل يعني أنه تَرْشيح للاسْتعَارَة المصرحة
أو المكنية بجعلهم كأنهم مال للغير في يده أمره بدفعه لمن يؤتمن عليه، وأن السلطان بمعنى
الحجة الغالبة، وفيه تورية عن معنى الملك فرشحه بقوله لا تعلو انتهى. ولا يخفى أن الأمانة
غير مختصة بالأموال، إلا أن يقال إن إطلاق الأمانة عَلَى حقوق الله تَعَالَى مجاز أَيْضًا ولو
سلم فبيانه غير عام للوجه الثاني وهو حق الله من الإيمان وقبول الدعوة فما ذكرناه عام له
أَيْضًا (التجأت إليه وتوكلت عليه)
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ(20)
قوله: (أن تؤذوني ضربًا أو شتمًا أو [أن] تقتلوني) أن تؤذوني أي من أن تؤذوني أَشَارَ إلَى
أن الرجم مجاز عن ذلك الإيذاء لكون الأداء لازم للرجم الشرعي وهو القتل بالحجارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذكر الأمين مع الأداء والسلطان مع البلاء شأن لا يخفى. أي شأن من المناسب غير
لذي عقل. وجه المناسبة أن الأمانة تلائم معنى الأداء سواء كان المؤدى إليه عباد الله عَلَى أنه مَفْعُول
أدوا أو الواجب بالدعوة من الإيمان والطاعة عَلَى أنه منادى والْمَفْعُول مَحْذُوف أي أدوا إليَّ فإني
أمين لا ضياع لما أدى إليَّ عندي، ومعنى السلطنة يلائم معنى العلاء أي لا تتكبروا عَلَى الله فإن
معنى قاهرًا يضمحل كبركم وعلوكم.