قوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) ذهب بعضهم إلَى أن الأمر هنا بمعنى الْفعْل المعبر
عنه بالآن والطريقة ؛ إذ الْمَوْصُوف بالرشد هُوَ الْفعْل واستدل به عَلَى أن إطلاق الأمر عَلَى
الْفعْل حَقيقَة. وأُجيب أولًا أنه سلمنا أن الْمُرَاد به الْفعْل لكن لا نسلم كونه حَقيقَة فيه، وإنَّمَا
أطلق عَلَى الْفعْل لأنه سببه فقيل إنه أمر تسمية للمأمور الْمَفْعُول بالمصدر. وثانيًا أنه لا نسلم
أنه هنا بمعنى الْفعْل ؛ إذ الْقَوْل يوصف بالرشد بمعنى الصواب لأن الرشد ملكة يصدر بها عن
الشخص ما يوافق الشرع ويقابل السفه وذلك كما يكون بالْفعْل يكون بالْقَوْل. ويمكن أن
يكون كلام الْمُصَنّف مرشد أو ذي رشد أشار إليه .
قوله: (مرشد) أي فعيل بمعنى مفعل وصف بالأمر بمعنييه كما أوضحناه آنفًا كون
فعيل بمعنى مفعل وإن أنكره في قَوْله تَعَالَى: (ولهم عذاب أليم) بطريق
الإشَارَة لكنه أثبته في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (بديع السَّمَاوَات والْأَرْض) الآية.
وإطلاق المرشد عليه بكلا المَعْنَيَيْن مجاز عقلي .
قوله: (أو ذي رشد) أي رشيد من صيغ النسب [مثل] لابِن وتامِر وهذا هُوَ المناسب
للمقام وأوفى بالمرام، ولهذا لم يلتفت في الكَشَّاف إلَى الاحتمال الأول ولو بالرمز والتلويح .
قوله: (إنما هُوَ غي محض) لحصر مُسْتَفَاد في نفي الرشد رأسًا وفيه تجهيل لمتبعيه
وتسفيه لمبتغيه ؛ إذ العقلاء إنما يتبعون من هُوَ هاد راشد مرشد ظَاهر الشأن باهر البرهان دون
من أمره غي وسفيه مكشوف الضلال واضح الحال .
قوله: (وضلال صريح) حيث ادعى الربوبية ونسي العُبُوديَّة مع كونه بشرًا[عاجزًا
ومعزلًا]من الْأُلُوهيَّة ذاتًا وأفعالًا وما لهَؤُلَاء القوم لا يكادون يفهمون مآلًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98)
قوله: (إلَى النَّار) وهم يتبعونه .
قوله: (كما كان يقدمهم في الدُّنْيَا إلَى الضلال) أي لما كان لهم قدوة في الضلال
ومقتدى به فيه كَذَلكَ كان له مقتدى به في الْآخرَة والعذاب .
قوله: (يقال قدم بمعنى تقدم) يعني قدم من باب علم لازم بمعنى القدوم ومن باب
نصر متعد بمعنى تقدمه، فالأولى يقال قومه بمعنى تقدمه وتعلق إلَى النَّار لكونه متضمنًا معنى
متوجهًا. والْمَعْنَى يتقدم قومه المتعين له في الضلال وكان مقتدى لهم متوجهًا إلَى النَّار أو
مسوقًا إليها .
قوله: (ذكره بلفظ الْمَاضي مبالغة في تحققه) مع أن الظَّاهر لفظ المضارع والمعنى
على الاسْتقْبَال فاسْتُعيرَ له لفظ الْمَاضي مُبَالَغَة في تحققه وثبوته في المستقبل بحَيْثُ لا
يحتمل الخلاف كما أن الواقع في الْمَاضي كَذَلكَ. قوله ذكره بلفظ الْمَاضي إشَارَة إليه .
قوله: (ونزل النَّار لهم منزلة الماء) أي النَّار شبه بالماء بتنزيل التضاد منزلة التناسب
بواسطة آلهتكم فاسْتُعيرَ النَّار له اسْتعَارَة مكنية. فإيقاع الورود الذي من خواص الماء عليها