الثاني ناظر إلَى كونه مصدرًا أقسم به لأنه مشاكل لنشور الموتى حيث انتشر الحيوانات لا
سيما الْإنْسَان في طلب المعاش فإن فيه فَائدَة دينية ودنيوية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2)
قوله: (عشر ذي الحجة) أي التَّنْوين عوض عن الْمُضَاف إليه وتعيين الْمُضَاف إليه
بملاحظة الشرف لما عرفت من أن المقسم به من المخلوقات ما فيه فخامة ومنفعة دينية أو
دنيوية وهنا كَذَلكَ لأنها أوقات مناسك الحج، ولا ريب في أفضلية أعمال الحج المبرور.
قوله: (ولذلك فسر الفجر بفجر عرفة) ولذلك أي لتفسير ليال عشر بعشر ذي الحجة
فسر الفجر بفجر عرفة لظهور الجامع حِينَئِذٍ وكذا التَّفْسير بفجر النحر، والتَّخْصِيص لأن يوم
عرفة والنحر أفضل الأيام ولذا لم يفسر بفجر سائر الأيام من عشر ذي الحجة مع ظهور
الجامع حِينَئِذٍ أيضًا والجامع خيالي، وأما إذا أريد به فجر مطلق الأيام فالجامع التضاد وإن
أريد فجر أيام التشريق لم يبعد.
قوله: (أو النحر) مَعْطُوف عَلَى عرفة وتقديم عرفة يومئ إلَى أنها أفضل من يومئ
النحر وهو كَذَلكَ لأنها يوم الوقف في العرفات وهو ركن أعظم وفي الْحَديث الشريف
"الحج عرفة"أي كأنَّ الحج عرفة. أي وقف عرفة يفوت الحج بفوته ويتم الحج بفعله
والقسم بيوم النحر لأنه زمان الطواف وذبح المناسك وغيرهما.
قوله: (أو عشر رمضان الأخير) الأخير صفة العشر، وإنَّمَا أقسم به لأن ليلة القدر
في تلك الليالي وهي خير من ألف شهر، وبهذا الاعتبار يصح أن يراد منها ولو أريد العشر
التي وقع فيها ولادة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أو التي وقع المعراج فيها أو التي فيها ليلة الرغائب
أو ليلة نصب شعبان لم يبعد.
قوله: (وتنكيرهما للتعظيم) أي تنكير ليالٍ وعشر للتعظيم لما عرفت من أن تلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتنكيرهما للتعظيم. يريد بيان وجه تنكير ليالٍ من بين المعرفات وجوز صاحب الكَشَّاف
أن يكون تنكيرها للتقليل والتبعيض. قال: نكر ليالٍ من بين ما أقسم به لأنها ليالٍ مَخْصُوصة من بين
جنس الليال العشر بعض منها أو مَخْصُوصة بفضيلة ليست لغيرها. قوله بعض منها بدل من ليالٍ
جعل الزمان عشرًا عشرًا وجعل الزمان العشر جنسًا وأراد لتنكير ليالٍ عشر بعضًا منها واختار
القاضي رحمه الله الوجه الثاني من هذين الوَجْهَيْن لأن في الأول تكلفًا ما كما ترى. وقال صاحب
الكَشَّاف فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليالٍ معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل
بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن [تكون] اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من
الألغاز والتعمية. لو عرفت الليالي لاحتاجت في إفادة معنى الفضيلة إلَى مزيد انضمام قرينة خارجة
بخلاف التنكير فإنه دال عَلَى معنى الفضيلة بنفسه مستقل في إفادته غير محتاج فيها إلَى أمر خارج.