قوله: (تحقيقًا وتقليدًا لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون) أي النفي عَلَى العموم قوله:
(لا يفقهون) ناظر إلَى تحقيقًا ولا يسمعون ناظر إلَى تقليدًا أو ناظر كل
منهما إلَى كل منهما ؛ إذ المقلد يفقهون لكن لا بالاستدلال والمحققق يسمعون ثم يستدلون .
قوله:(وإذنْ كما عرفت جزاء وجواب للرسول صلّى الله عليه وسلّم على تقدير قوله ما لي لا
أدعوهم، فإن حرصه صلّى الله عليه وسلّم على إسلامهم يدل عليه)قال الدماميني في شرح التسهيل الصواب أن
يقال كونها جوابًا لا ينفك عنها بخلاف الجزائية فإنها قد تنفك عنه، ومعنى كونها جوابًا أنها
لا تقع إلا في كلام يجاب به كلام آخر إما محقق، وإما مقدر، ومعنى كونها جزاء أنه بجازى
بها أمر وقع وليس الْمُرَاد بالْجَوَاب والْجَزَاء معناهما الاصْطلَاحي حتى يكونا بمعنى واحد
كذا قيل. ونسبه المص بقوله عَلَى تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم عَلَى أن إذنْ هنا جواب لكلام
مقدر وأن الْجَوَاب هُوَ مجموع الشرط وجوابه. والحاصل أن إذنْ جزاء للفعل وجواب للْقَوْل
وهنا لما لم يوجد الْقَوْل صراحة حاول بيان وجه كونه جوابا للْقَوْل فقال عَلَى تقدير ما في
لا أدعوهم. فأجيب هذا الْقَوْل لأنه إن دعوت فلن يهتدوا أبدًا بناء عَلَى أن ما في لا أدعوهم
في قوة أدعوهم ؛ إذ الاسْتفْهَام للإنكار والتعجب وهذا البيان تضمن أنه جزاء لفعل الدعوة
فإن الدعوة يليق أن [تجازى] بالابتداء لكنهم لكونهم مطبوعي القلب جعلوا ما يجب أن
يكون [سببًا] للاهتداء سببًا لانتفائه، فجوزي فعل الدعوة بعدم الاهتداء. نظيره: أنا آتيك إذن
أضربك، ودليل تقدير هذا قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) .
فإنه منع من الدعوة عَلَى هذا الوجه المؤدي إلَى آمر غريب لا منع الدعوة مُطْلَقًا وعن
هذا قال فإن حرصه عَلَى إسلامهم الخ. وهذا أولى من الْقَوْل المنع عن الدعوة حين خوطب
بمثل قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا) ومن الْقَوْل بأنه مفهوم
من قوله: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ
لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)
قوله: (البليغ الْمَغْفرَة) هذا مُسْتَفَاد من صيغة المُبَالَغَة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: جزاء وجواب أما أنه جزاء فلأنه جعل دعوة الرَّسُول سببًا لانتفاء اهتدائهم أبدًا لأنهم
لعنادهم يزيد ضلالهم [وتشتد] شكيمتهم بسَبَب دعوة الرَّسُول حتى يستحيل اهتداؤهم و [ينتفي] أبدًا
فجعلوا ما يكون سببًا لوجوب اهتدائهم سببًا لانتفاته. منهم من يقول لا يصح كونه جزءًا إلا تقدير
الأخيار والأعلام، وقد خفي عليه أن الجزاء ليس مجرد انتفاء الاهتداء بل انتفاء الاهتداء أبدًا ودعوة
الرَّسُول سبب لأبدية انتفاء الاهتداء لما ذكرنا أنهم لعنادهم يزيد [ضلالهم وتشتد] شكيمتهم بسَبَب
دعوة الرَّسُول، وأما أنه جواب فلما قال المص عَلَى تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم يعني كأنه عليه
الصلاة وَالسَّلَامُ قال ما لي لا أدعوهم؟ فأجيب بأنك (إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا) .