العادة من أمثاله وليس بمَعْطُوف عَلَى ما قبله، وألا يكون مجزومًا كما سيجيء فيكون
مقطوعًا عَمَّا قبله ويستأنف به الْكَلَام عَلَى وجه الإخبار عَمَّا سيقع في المستقبل ويؤيده
قراءة ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه -"ثم سنتبعهم"وكلمة (ثُمَّ) ليس بمُتَعَارَف في الاسْتئْنَاف
وإنما المُتَعَارَف هُوَ الواو، والْمُرَاد الاسْتئْنَاف النحوي لا البياني. والظَّاهر أنه مَعْطُوف عَلَى
جملة (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ) .
قوله:(وَقُرئَ بالجزم عطفًا على نُهْلِكِ فيكون الْآخِرِينَ المتأخرين من المهلكين
كقوم لوط وشعيب ومُوسَى عليهم السلام)أي قراءة شاذة. قوله من المهلكين أي فيما مضى
لأن لم تقلب الْمُضَارِع ماضيًا، وأما في قراءة الرفع وهي متواترة فهم من المهلكين في
المستقبل فيكون وعيدًا لأهل مكة من كفارهم كإهلاكهم في بدر.
قَوْلُه تَعَالَى: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ(18)
قوله: (مثل ذلك الْفعْل) إشَارَة إلَى ما قبله فتكون الكاف للتشبيه وذلك مَفْعُول مطلق
أي نفعل بالمجرمين فعلًا مثل ذلك الْفعْل لكون فعلهم مثل فعلهم والاتحاد في السبب
يقتضي الاتحاد في المسبب، أو إشَارَة إلَى ما بعده فتكون الكاف للعينية. وقد مَرَّ هذا الْكَلَام
غير مرة.
قوله: (بكل من أجرم) أي اللام للاسْتغْرَاق وأنه للموصول والمجرمين بمعنى
الْمَاضي ويعلم حال من يجرم بدلالة النص.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(19)
قوله:(بآيات الله وأنبيائه فليس تكريرًا، وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين
بواحد؛ لأن الوَيْل الأول لعذاب الآخرة وهذا للإِهلاك في الدنيا، مع أن التكرير للتوكيد حسن
شائع في كلام العرب)إشَارَة إلَى عدم التكرار، كَمَا صَرَّحَ به فليس بتكرار وكون المقدر آيات
اللَّه الخ. بقرينة أن إهلاكهم لذلك، وكذا ليس بتكرار إن أطلق التَّكْذيب هنا؛ إذ المطلق غير
المقيد. قوله وهذا للإهلاك في الدُّنْيَا لا يلائم قوله (يومئذٍ) والحمل عَلَى يوم الدُّنْيَا بعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
تهديد للمجرمين الحاضرين وقت الْإخْبَار به لا سيما قد ذيل لقوله: ( [كَذَلِكَ] نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) .
قوله: بآيات اللَّه وأنبيائه. متعلق التكذيب هنا آيات الله وأنبيائه لدلالة قوله: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ(16) ثُمَّ
نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) . عَلَى ذلك من حيث إن ذلك
الإهلاك لهَؤُلَاء المهلكين إنما كان لأجل تَكْذيبهم أنبياء الله وآياته، وجعله فيما تقدم يوم الفصل بقرينة
ذكر يوم الفصل قبله فقوله فليس تكريرًا مبني عَلَى تغاير متعلقي التَّكْذيب في الموضعين، وقوله وكذا إن
أطلق الخ. معناه وكَذَلكَ لا يكون تكريرًا إن أطلق التكذيبان الواقعان في الموضعين واتحدا في الْحَقيقَة
ولم يقدر لهما متعلق أصلًا وكذا لا يكون تكريرًا، ولو قدر لهما في الموضعين متعلق واحد لتغاير
الويلين في الموضعين في العلة فإن الويل الأول معلل بعذاب الْآخرَة والثاني.