قوله:(والمأمورين به، فالْمُرَاد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم،
فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تَحْصيل معايشهم)والمأمورين [به] بالجر عطف عَلَى
المشبه به، لكن قيل عليه إنهم مأمورون حَقيقَة لا مشبهون بهم فالصواب رفعه عطفًا عَلَى
الكاف وتوجيهه بأنه مرفوع لكنه جر لمجاورته للمجرور وهذا غير مُتَعَارَف في مثله، فالأَولى
حمل الكاف عَلَى العينية في المشبه، ثم هذا إشَارَة إلَى كون الْمَعْنَى إلا لنأمرهم بالْعبَادَة
فالأمر لم يصرح فيه، وبهذا الاعتبار كالمأمورين به.
قوله: (ويحتمل أن يقدر بـ قُلْ فيكون بمعنى قوله:(قُلْ لَّا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)
فيكون قوله ما أريد الخ. مقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ فيكون حِينَئِذٍ كقَوْله تَعَالَى:(قُلْ
لَّا أَسْئَلُكُمْ)الخ. فيكون الْمَعْنَى أَيْضًا فاشتغلوا بالْعبَادَة ليتحقق الارتباط
وأعيد (ما أُريد) في الْمَعْطُوف للاهتمام به للتقرير أو التَّنْبيه عَلَى المغايرة باعْتبَار تعلقه وهو
الإطعام؛ لأنه خاص والرزق عام له ولسائر الإطعام والألبسة والمسكنة، ولما كان الإطعام
متجددًا اخْتيرَ أن مع الْفعْل الْمُضَارِع وفيما قبله اخْتيرَ الرزق ولكونه عامًا للإطعام لم
يتعرض المص الإطعام في توضيح الْمَعْنَى وإذا قدر القول فالظَّاهر الخطاب فالغيبة فيه
رعاية للحكاية فإن مثله يجوز فيه الغيبة والخطاب وقد قرئ بهما في قَوْله تَعَالَى:(قل
للذين كَفَرُوا ستغلبون)وجه القراءة بالياء أن الأمر بـ قل بأن يحكي لهم ما
[أخبره الله به نبيه] من وعيدهم بلفظه وما نحن فيه إنما يكون من هذا القبيل إن أريد بقول(ما
أريد منهم من رزق)حكاية من الله تَعَالَى فيكون (قل) أمر بحكاية ما أخبره به بلفظ، لكن قوله
فيكون بمعنى قوله: (قل لا أسألكم) الخ. يأبى عنه فلا يكون هذا من قبيل
رعاية الحكاية كما زعمه بعض المحشيين فيرد عليه ما قاله الفاضل المحشي من أنه لا يلائم
الغيبة في المقامين، وعن هذا قال ويحتمل إشَارَة إلَى ضعفه، فالصواب أن يقال: إن الغيبة
لتبعيدهم عن ساحة الخطاب.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)
قوله: (الذي يرزق كل ما يفتقر إلَى الرزق) العموم مُسْتَفَاد من حذف الْمَفْعُول فإنه
للتعميم مع الاختصار وعبر بـ ما لأن (ما) عام للعقلاء وغيرهم عَلَى ما اختاره الْمُصَنّف وجعله
مخصصًا بغير العقلاء، وحمله عَلَى التغليب لكثرتهم ضعيف؛ إذ الْمَشْهُور عكسه.
قوله: (وفيه إيماء باستغنائه عنه، وقرئ «إني أنا الرزاق» ) وفيه إيماء. وجه
الإيماء أنه لا رازق غيره؛ إذ الْكَلَام يفيد الحصر ويفيد أن ما عداه مرزوق لا رازق فهو
تَعَالَى رازق لا مرزوق، وإنما قال إيماء لما ذكرناه. وتمامه بملاحظة أن المرزوقية نقص
يجب تنزيه الله تَعَالَى عنه.
قوله: (شديد الْقُوَّة) معنى المتين فيكون تأسيسًا لا تأكيدًا، وأنه فعيل بمعنى الْفَاعل
يستوي فيه المذكر والمؤنث.