قوله: (أو لرزانة رأيهما وقدرهما) أي لثقل رأيهم نقلًا معنويًا أي تام الرأي
وكماله فتمام الشيء ثقل ونقصانه ضعف، فحِينَئِذٍ تسمية الثقلين من قبيل صفة جرت عَلَى
غير ما هي له.
قوله: (أو لأنهما مثقلان بالتكليف) فحِينَئِذٍ يكون فعيل بمعنى المفعل بوزن الْمَفْعُول
ولقلته أخَّره.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ
أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)
قوله:(إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هاربين من الله فارين من
قضائه)معنى إن استطعم أن تخرجوا معنى (أَنْ تَنْفُذُوا) أصل معنى النفوذ
الدخول لكن هنا عُدي بـ مِن فيكون بمعنى الخروج إما مَجَازًا أو بطَريق التَّضْمين. وقيل
[الْمُرَاد] بالنفوذ دخولهم في السَّمَاء بعد الصعود إليها أو في الْأَرْض، وهذا لا يلائم تفسير
الأول فإن فيه النفوذ بمعنى الخروج كما بيناه، ولم يبينوا وجهه وقد أوضحنا سره. واسْتعْمَال
إن مع إنه مقطوع اللاوقوع دناء عَلَى أن المخاطبين من المجرمين لانهماكهم في المعاصي
ظنوا أنهم هاربون من قضاء الله تَعَالَى وعذابه فكلمة الشك عَلَى زعمهم ومقتضى حالهم.
قوله: (فَانْفُذُوا فاخرجوا) للتعجيز.
قوله: (لا تقدرون عَلَى النفوذ إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك) لا تقدرون أي المنفي
القدرة عَلَى النفوذ لا النفوذ مع القدرة عليه وأنى لكم ذلك اسْتفْهَام إنكار وأنى بمعنى كَيْفَ
أو من أين وهذا الاستثناء من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول .. الخ.
قوله: (لتعلموا ما في السَّمَاوَات والْأَرْض فانفذوا لتعلموا) هذا منهم من النفوذ
بمعنى الدخول بحمل مِن عَلَى معنى في والدخول في أقطار السَّمَاوَات والْأَرْض للعلم
ما فيهما من الملكوت والجبروت لتستدلوا بها عَلَى قوة نكاله تَعَالَى في يوم القيامة.
وبهذا يظهر ارتباطه بما قبله وارتباطه في الأول هُوَ أنه تَعَالَى لما بين أنه يحاسب
ويجازي [الثقلين] لا محالة عقبه بقوله: (إن استطعتم) الخ. لبيان أنهم
لا يقدرون عَلَى النجاة إذا أراد أخذه.
قوله: (لكن لا تَنْفُذُونَ ولا تَعْلَمُونَ إلا ببينة نصبها الله فتعرجون عليها بأفكاركم) إلا
ببينة معنى بسلطان لأنه يجيء بمعنى الحجة كما يجيء بمعنى القوة. فتعرجون الخ. اسْتعَارَة
مكنية وتخييلية لتشبيه البينة بالسلم والعروج عليها تخييلية. قوله بأفكاركم بيان آلة العروج
كالأقدام، فالْمَعْنَى [حِينَئِذٍ] فلكم ذلك بدل فأنى لكم ذلك خوطبا باسم الجن والإنس مع التَّعْبير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
بعده (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . قلت إن في التهديد بالمجازاة الْأُخْرَويَّة زجرًا
للعباد عن ارْتكَاب المعاصي وهو رحمة ولطف من الله تَعَالَى.