كَذَلكَ لا ينتهون عن التَّكْذيب إلا بتوفيق الله تَعَالَى فمن آمن منهم في حكم الْمُسْتَثْنَى، هذا
إن أريد بالموصول الجنس، وإن أريد به العهد وهم الَّذينَ يموتون عَلَى الكفر فلا استثناء
يقال ارعوى عن كذا إن انزجر وتركه.
قوله: (ومعنى الإِضراب أن حالهم أعجب من حال هَؤُلَاء) ومعنى الإضراب عن
مماثلة كفار قريش للكفرة الْمَاضية إلَى بيان أن حالهم أشد من هَؤُلَاء الْمَذْكُورين فالإضراب
انتقالي لا إبطالي.
قوله: (فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم) تعليل لكون حالهم أعجب الخ.
فإنهم سمعوا بالتواتر كما هُوَ الْمُتَبَادَر. قصتهم وهي تَكْذيب رسلهم. وإهلاكهم بسَبَب
التَّكْذيب ومع ذلك رأوا برؤية العين آثار هلاكهم لأنهم يمرون في أسفارهم عليهم مصبحين
وبالليل وهذا يفيد اليقين لكن سبب هلاكهم لا يعلم بمجرد رؤية آثار هلاكهم ولذا تعرض
بأنهم سمعوا قصتهم أي قصصهم، وإنَّمَا أفرد القصة لكون الْمُرَاد بها الجنس.
قوله: (وكذبوا أشد من تكذييهم) ولذا عدل عن يكذبون إلَى في تَكْذيب للمُبَالَغَة كما
مَرَّ بَيَانُهُا. وفي كلمة (في) اسْتعَارَة تبعية، والْمُرَاد تَكْذيب الْقُرْآن سيشير إليه الْمُصَنّف وفيه دليل
على أن التَّكْذيب وهو الإنكار هنا يتفاوت قوة وضعفًا كالتصديق يعرف بالتأمل، وإن أبيت
عن ذلك فقل: إن أشديته باعْتبَار أشدية الأذية الناشئة من التَّكْذيب، فالأشدية حِينَئِذٍ [تكون] كمًا
وفي الأول كيفًا، ولما كان إنكارهم أشد يكون عذابهم أشد أَيْضًا وبملاحظة ذلك يكون
تهديدًا أكيدًا وهو الْمُرَاد الذي يحصل به التسلية. وفي قوله: (أعجب) الخ.
إشَارَة إلَى أن ذلك كافٍ في استحقاق العذاب الزائد فما ظنك بأن حالهم إذا كانت أنكر من
إنكار هَؤُلَاء فلا إشَارَة إلَى أن في الاسْتفْهَام معنى التعجيب وإن صح في الْجُمْلَة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ(20)
قوله: (وَاللَّهُ) أظهر لتربية المهابة (مِنْ وَرَائِهِمْ) من خلفهم أو من قدامهم؛ إذ الوراء من
الأضداد و (مِنْ) ابتدائية متعلق بـ (مُحِيطٌ) لمحافظة الفاصلة ولا بُعد في اعتبار القصر.
قوله: (لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط) إشَارَة إلَى أنه اسْتعَارَة تمثيلية، وكن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومعنى الإضراب أن حالهم أعجب من حال هَؤُلَاء. أفاد الإضراب الأول الترقي من
العجب إلَى الأعجب مع ما في تنكير تَكْذيب من المُبَالَغَة والتعظيم، وأفاد الإضراب الثاني الترقي
من التَّكْذِيب إلَى التَّكْذِيب أي دع تَكْذيبهم بذلك فإن هَاهُنَا ما هُوَ أعظم من ذلك وهو تَكْذيبهم بهذا
الْقُرْآن المجيد المثبت في اللوح المحفوظ. تمت السُّورَة الحمد للَّه عَلَى الافتتاح والاختتام، وعلى
الرَّسُول أفضل الصلاة وَالسَّلَامُ. اللهم مستفيضًا من نورك أشرع وأقول.