كأنَّ قلوبَ الطيرِ رَطْبًا ويابِسًا ... لدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
كما أشار إليه بقوله التمثيل لحالهم أي لحال المنفقين المخلصين بالجنة بالبستان
الكائنة عَلَى الربوة عَلَى المكان المرتفع في أن نفقتهم زاكية وإن قلَّت كما أن الجنة كَذَلكَ.
فعلى هذا لا يصح تقدير الْمُضَاف في (وَمَثَلُ الَّذِينَ) الآية. وإيراد عَلَى في
على الربوة مع أن في النظم الكريم أورد بالباء إما للإشَارَة إلَى كون الباء بمعنى عَلَى أو إلَى
جوازهما في مثل هذا؛ لأنه لكونه ظرفًا يناسب الباء بمعنى في ولكون البستان مستعليًا عَلَى
الربوة يناسب عَلَى قوله في زلفاهم. أي في قرباهم إلَى رضوان الله تَعَالَى ورحمته. بالوابل
ناظر إلَى نفقاتهم الكثيرة، والطل ناظر إلَى القليلة. ففيه لف ونشر مرتب .
قوله: (والله بما تعملون) الآية. تحذير عن الرياء وترغيب في
الْإخْلَاص) بما تعملون أي بعملكم أو بما تعملونه. عمم العمل تحذيرًا عن الرياء في كل
عمل ويدخل الرياء في الإنفاق دخولًا أوليًّا، ويحتمل أن يكون الْمُرَاد الإنفاق لكنه ضعيف.
قوله: وترغيب في الْإخْلَاص ففيه وعدٌ عظيم ووعيدٌ جسيم، والْجُمْلَة تذييلية مقررة لمضمون
ما قبلها ، واختيار بصير هنا في غاية من البلاغة ونهاية من البراعة حيث أشير إلَى أن الله
تَعَالَى بصير ورؤية الله تَعَالَى كافية لهم لأنه هُوَ النافع والضار والمعطي والمانع فلا فَائدَة في
رؤية غيره تَعَالَى ولا يضره عدم كون بعض الْأَعْمَال من المرئيات ؛ إذ المقصود العلى عَلَى
أن أكثر من المبصرات .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)
قوله: (الهمزة فيه للإنكار) أي للإنكار الوقوعي بالنظر إلَى إصابة الإعصار وما يترتب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تحذير عن الرياء. أي عليم بما أضمره المرائي في قلبه عَلَى خلاف ما في لسانه ويعاقبه
عليه كما قيل في بيت .
[أزنى أن كفت حق خودر ابصير ... كه بود ديديت مردم نذير]
وتفسيره هذا يقتضي أن البصير من التبصر والبصارة لا بمعنى مشاهدة المحسوسات وإلا لا
يناسب التحذير عن الرياء والْمُنَاسب للتحذير عنه البصير بمعنى العليم، فالْمَعْنَى والله بما تبطنون
وتظهرون من أعمالكم عليم.
قوله: الهمزة فيه للإنكار. أي لإنكار مودة جنة مآلها ما ذكر. الإنكار هَاهُنَا بمعنى ما كان يَنْبَغي
له أن يود أو بمعنى لا يود .